في وسط حيرتنا بين اختيار القاتل أو خائن المقتول لا يزعحني أي قرار بقدر ما يزعجني من يعتبرون أن أحد القرارين اختيار بديهي ولا يحتاج إلى عميق تفكير، فضلا عمن يعتبرون أن قرارهم هذا صوابا مطلقا.

ناقش الكاتب التشيكي ميلان كونديرا في روايته كائن لا تحتمل خفته المواقف التي يفتقد المرء خلالها رفاهية الحكم على شئ ما بأنه الأفضل أو أن عكسه هو الأفضل.

في عام 1618 قرر التشيكيون من نبلاء بوهيميا الدفاع عن حرياتهم الدينية وقاموا بإلقاء رسل امبراطور النمسا من النافذة لتبدأ الحرب الدينية المسماة بحرب الثلاثين عاما التي استبيح فيها الشعب التشيكي استباحة شبه تامة.

هل كان الشعب التشيكي في حاجة إلى الحذر أكثر مما كان في حاجة إلى الشجاعة؟

هذا ما فعلوه في عام 1938، عندما قرر الشعب التشيكي أن يتخلى عن بلاده لهتلر حتى لا يصطدم بقواته التي تفوق عددهم بثماني مرات، إلا أن حذرهم واستسلامهم كان بداية للحرب العالمية الثانية التي تسببت في ضياع بلادهم وخسارتهم لحريتهم كأمة مستقلة لعشرات السنين.

فهل كانوا عندها يحتاجون للشجاعة أكثر مما يحتاجون للحذر؟

لا أحد يعرف ولا أحد يستطيع أن يعرف فلا توجد وسيلة ما نستطيع من خلالها أن نعرف أي اختيارين أفضل ولا سبيل للمقارنة لأن كل شئ نعيشه مرة واحدة بدون تجربة سابقة.

ربما بسبب بساطته وتلقائيته. وربما لأن الثورة لم تعتبره من شبابها الذين منحتهم صك الحديث باسمها في الصحف والتلفزيونات، أو ربما لأنه اعتبر أن الثورة عملا لا يمكن ممارسته على الانترنت فلم يشغل باله بفلسفتها ومنطقتها وتحليل أزماتها وقيادة جيوشها الافتراضية وآثر أن يكون جنديا من جنودها على الأرض. وربما لأنه لم يكتب في تعريفه الشخصي جملا من قبيل “إذا لم نحترق وأنت وأنا فمن سيضئ الطريق” وفضل أن يجعلها حقيقة. ربما لكل ذلك لم ألحظ تشابها بين ما كان يفعله علي غنيم وبين ما فعله أبطال آخرون -تحتل حياتهم من ذاكرتي مكان الأسطورة- إلا في المساحة الضيقة التي تستعرض فيها ذاكرتك مواقف أبهرتك قام بها صديق قد أصابه مكروه ولم تكن تتوقف عندها في حينها كثيرا.

سكندري (جدع) أستطيع أن أؤكد لك أنك قد قابلته في أحد الاعتصامات أو المسيرات أو وقفات التضامن أو الاحتجاج أو في إحدى معارك الثورة الكثيرة التي لا تنتهي والتي شارك بها جميعا. هو ليس عاطلا عن العمل ولكنه يدير مصنعا صغيرا لتصنيع وتجارة الملابس في مدينته الأسكندرية كان قد قرر أن يوقف غالبية نشاطه حتى يسافر بشكل منتظم إلى القاهرة من أجل نصرة ما يؤمن به. من غير المستغرب -لمن يعرفونه- أن تجده مسافرا إلى الأسكندرية بعد انتهاء ما جاء من أجله ليباشر ما تبقى من عمله ثم يعود مرة أخرى في مساء اليوم التالي ليبيت في خيمته في أيام الاعتصام أو في أي مكان آخر في غير ذلك؛ وغير ذلك هو مجموعة نشاطاته التي لا تنتهي من مجموعة لا للمحاكمات العسكرية التي هو عضو بها إلى حملة حاكموهم التي شارك في تأسيسها إلى مبادرة تعالوا نكتب دستورنا ومبادرة تسليم السلطة التي دعمهما إلى حملة مرشح الرئاسة الذي يدعمه.

تعرفت عليه عندما كان معتادا أن يجلس بهدوء على كرسي من القماش يحمله دائما في أيام الاعتصامات -لأن إصابة في ساقه تمنعه من الجلوس على الأرض- أمام الخيمة التي لا يغادرها طيلة أيام الاعتصام، كان ذلك في أيام اعتصام محمد محمود ومجلس الوزراء. كنت ألاحظه وهو يجلس منفردا امام خيمته ويسير منفردا في شارع القصر العيني ما بين اعتصامي التحرير ومجلس الوزراء، ثم يتحرك منفردا لاجتماعات المبادرات العديدة التي هو جزء منها ثم يغادرها منفردا إلى رمسيس كي يستقل المشروع إلى الأسكندرية كي يبدأ حلقة جديدة من روتينه الثوري.

ربما يختلف معي أحد في المقارنات والتشبيهات وربما لازلت أرى أن أمام علي غنيم بطولات أخرى لم يقم بها بعد، ولكن ما يفعله يثير في خيالي مس من سير الأبطال الذين قرأنا عنهم يغادرون بلادهم تاركين بها عيشا سهلا ليحاربوا في مكان آخر بعيد عن بلادهم من أجل معنى أو فكرة يعتقدون فيها ويؤمنون بها؛ فهل لاحظ أحد غيري تشابها ولو رمزيا بين ما فعله علي غنيم بمصنعه وتجارته وما فعله أحمد نبيل الهلالي بثروته وأملاكه وأراضيه التي ورثها عن عائلته ثم تنازل عنها مختارا إيمانا بما يعتقد فيه؟ وهل لاحظ أحد غيري تشابها ولو رمزيا بين ترك علي غنيم مختارا لحياته الهادئة في الأسكندرية ورحيله مختارا إلى حيث نومة الرصيف أو نومة أسفلت السجن وبين استقالة أرنستو جيفارا مختارا من مناصبه الوزارية ليرحل مختارا إلى نومة الجبل في الكونغو أو نومة الأحراش في بوليفيا؟ وهل لاحظ أحد غيري تشابها ولو رمزيا بين سير علي غنيم وحيدا وجلوسه وحيدا وسفره وحيدا وبين ما فعله أبو ذر الغفاري عندما آثر أن يمشي وحده ويموت وحده في صحراء المدينة عن أن يراكم المال والذهب في قصورها؟ هل لاحظ غيري ذلك كله أم أن الأمر لا يعدو حدود المساحة الضيقة التي استعرضت فيها ذاكرتي مواقف أبهرتني قام بها صديق قد أصابه مكروه ولم أكن أتوقف عندها في حينها كثيرا.

ألقت الشرطة العسكرية القبض على علي غنيم في يوم السبت 5 مايو من أمام مقر النيابة العسكرية بالحي العاشر في أثناء تضامنه مع معتقلي أحداث العباسية وقررت النيابة العسكرية التي طالما رفض محاكمتها للمدنيين حبسه 15 يوما على ذمة التحقيق وتم تحويله إلى سجن طرة بعد أن توقف المحقق طويلا مناقشا إياه عما يدفع شخصا مثله لأن يفعل ما يفعله ليجيب عليه شارحا له -ببساطة أتخيلها- معان كبرى حول كالتضامن والإنسانية و(الجدعنة).

صورة

تعلن حركة الشباب العالمية من أجل الديمقراطية عن إطلاق مسابقتها السنوية للتصوير من حول العالم في الموضوعات الثلاثة التالية:

- المدافعين الشباب عن حقوق الإنسان

- الديمقراطية في الحياة اليومية

- التحديات التي تواجه الديمقراطية

الجائزة رحلة لبيرو لحضور التجمع العالمي للحركة العالمية للديمقراطية في أكتوبر 2012

آخر موعد للتقديم الصور 11 مايو 2012

لمزيد من التفاصيل راجع http://bit.ly/yluYz4

…………………………..

تعلن الحركة أيضا عن قبول التقديم لبرنامج زمالة هيرفورد للشباب في واشنطن حتى 30 عام حتى 30 أبريل 2012

برنامج الزمالة هو برنامج لمدة ثلاثة أشهر للعاملين بمنظمات المجتمع المدني في مجال الديمقرطية وحقوق الإنسان يساهم المتدرب خلالها في إدارة وتطوير برامج وأنشطة حركة الشباب العالمية من أجل الديمقراطية.

لمزيد من التفاصيل يرجى مراجعة http://bit.ly/xtBHYe

………………………….

للاستفسار يرجى مراجعة

http://www.wymdonline.org

@WYMD

@basemfathy

basemfathymoh (at) gmail (dot) com

مقدمة:

كنت أسير وباسم زكريا في ثكنات وسط البلد منذ شهر تقريبا وتطرقنا لنقاش طويل حول الحالة في مصر عاد باسم زكريا ليدونه بعد ترتيبه والإضافة إليه ما جذب انتباه الدكتورة هبة رؤوف التي رأت في تلك التدوينة نواة لمقالة جيدة عن خارطة تلك الحالة وطلبت منا تطويرها. وبعد جولة أخرى من النقاش قمت بتدوين تلك المقالة التي لم يقدر لها أن تنشر وأنشرها الآن مع خبر اعلان اللواء عمر سليمان عدم نيته لخوض الانتخابات الرئاسية بعد أسبوع من الأخبار المتعارضة عن ترشيحه الذي كنت أراه أمرا غريبا في ضوء ما أفترضته هنا من أن السلطة في مصر بها دائرتين متعارضتين من المصالح على الأقل يقع المجلس العسكري في إحداها ويقع اللواء عمر سليمان في الأخرى. ربما تتجاوز مواضيع المقالة تلك النقطة تحديدا وتستعرض مجموعة أشمل من الرؤى كبنية النظام السياسي المصري قبل وبعد مبارك وموقف الولايات المتحدة وأهمية مشروع التيار ما بعد الإسلاموي ومبررات تأييدي لعبدالمنعم أبوالفتوح، ولكن لازالت تلك النقط جميعا صالحة لتفسير أجزاء كبيرة مما يجري ولاعتبارها محاولة جيدة للفهم. وتحتوي تلك المحاولة على أربعة عناوين رئيسية:

  • بنية النظام فيما قبل الإطاحة بمبارك
  • الولايات المتحدة عشية الإطاحة بمبارك
  • اللاعبون في مصر ما بعد مبارك
  • التيار ما بعد الإسلاموي كفرصة لمصر الثورة

بنية النظام فيما قبل الإطاحة بمبارك:

بعد نجاح الثوار في الإطاحة بالرئيس السابق حسني مبارك وبعض رموز حكمه تم تداول مجموعة من العبارات والأفكار الخبيثة الموجهة التي تتحدث عن انتهاء الثورة ونجاحها في إسقاط النظام السياسي وضرورة التوقف والهدوء والاحتفاء بما حققته الثورة من نجاحات، الأمر الذي يثير في الأذهان مجموعة من الأسئلة تدور حول ماهية النظام السياسي في مصر وطبيعة علاقاته وشبكات مصالحه وكذلك عن الموقف المثالي الذي يمكننا عنده القول بأن ذلك النظام السياسي قد سقط على خلفية ثورة شعبية تنادي بإسقاط النظام. أحد أوضح تلك الأسئلة التي دارت في ذهني على الأقل هو سؤال هل كان مبارك هو واجهة نظام يوليو العسكري أم أن المؤسسة العسكرية كانت أحد أدوات نظام مبارك الديكتاتوري؟

قليلا من التركيز يقودنا إلى أن نظام يوليو العسكري تم إعادة ترتيبه بشكل معين في أعقاب حرب أكتوبر ثم معاهدة السلام مع إسرائيل بحيث يمكننا أن نطلق عليه نظام أكتوبر/كامب ديفيد والذي احتفظ في أعماقه ببعض السمات الأساسية التي صنعها نظام يوليو من حيث 1) سيادة العسكريين على المدنيين 2) وانتشارهم في مناصب الإدارة المدنية والسياسية 3) واعتبارهم طبقة اجتماعية مستقلة ذات مميزات وصلاحيات 4) السيطرة الكاملة والمطلقة للجهاز الأمني على الحياة العامة والمدنية. إلا أن ذلك قد أضيف إليه عقب الانتقال من شرعية حركة الضباط التي أيدها المدنيون في يوليو 1952 -والتي قد انتهت بهزيمة يونيو 1967- إلى شرعية الانتصار العسكري في أكتوبر 1973 وما أعقبه من توقيع معاهدة السلام مع إسرائيل مجموعة من السمات الأخرى التي نعتقد أنها تمثل جوهر النظام السياسي المصري الحالي والذي ثارت الجماهير من أجل إسقاطه في يناير 2011.

يمكننا من تلك السمات تمييز فكرة الانتقال من معسكر الانحياز للاتحاد السوفيتي والكتلة الشرقية إلى الانحياز للولايات المتحدة الأمريكية والكتلة الغربية بما يعنيه ذلك من 1) تغيير منظومة التسليح العسكرية والعقيدة القتالية للقوات المسلحة لتكون على النمط الغربي وذلك على المستوى العسكري. 2) الانحياز للمصالح  السياسية والاستراتيجية الأمريكية في المنطقة على المستوى السياسي والاستراتيجي. 3) تبني الفكر الاقتصادي الاجتماعي الغربي القائم على الاقتصاد الحر والتجارة الدولية والذي تتزعم الدعوة إليه في العالم الولايات المتحدة الأمريكية وذلك على المستوى الاقتصادي الاجتماعي. 4) صناعة شكل من أشكال الديمقراطية المدارة من أعلى والتي تسمح بإضفاء طابعا تعدديا شكليا على النظام السياسي ولكن بما لا يهدد جوهر ذلك النظام بسماته التي تم ذكرها.

وهو ما  نتج عنه أن أصبح لدى مصر منذ تلك الحقبة نظاما سياسيا تعددي الشكل يرتبط ارتباطا عضويا بالمحافظة على المصالح السياسية والاقتصادية للولايات المتحدة في المنطقة وإن اختلفت تركيبته ودينامياته الداخلية من مرحلة إلى أخرى في عمر ذلك النظام. فمن تحكم رئيس الجمهورية في مفاصل ذلك النظام في نهاية عهد الرئيس السادات الذي يعتبر مهندس ذلك النظام إلى تحول رئيس الجمهورية إلى ضابط مرور ينظم العلاقة بين شبكات المصالح المختلفة التي تدور في إطار المحددات المذكورة أعلاه مرتكنا إلى القلب الأمني للدولة والذي اتخذ طابعا عسكريا في النصف الأول من حكم مبارك فيما يخدم مصالح الطبقة الاجتماعية للعسكريين التي تحدثنا عنها والتي اخترعها نظام يوليو وحافظ عليها نظام أكتوبر/كامب ديفيد ثم اتخذ طابعا بوليسيا في النصف الثاني من حكم مبارك مع صعود الطبقة الاجتماعية الجديدة المتمثلة في رجال الأعمال الذين بدأوا مع الوقت في منافسة العسكريين في المزايا التي رتبها لهم نظام أكتوبر/كامب ديفيد.

كانت تلك المنافسة كالتالي: 1) احتلت لجنة السياسات المكونة من رجال الأعمال المدنيين موقع المشرف الأعلى على الديمقراطية المدارة التي رتبها نظام أكتوبر/كامب ديفيد لصالح طبقة رجال الأعمال بدلا من طبقة القادة العسكريين التقليدية. 2) مثلت طبقة رجال الأعمال تلك الحليف الاقتصادي الجديد للولايات المتحدة الأمريكية خصوصا مع جنوح الفكر الاقتصادي في الولايات المتحدة والغرب في اتجاه أكثر يمينية نحو السياسات والأفكار النيوليبرالية. 3) بدأت طبقة رجال الأعمال في لعب دور أكثر ترجيحا فيما يخص المصالح السياسية والاستراتيجية للولايات المتحدة مع تنامي دورها في شبه جزيرة سيناء والمناطق الحدودية ومنطقة قناة السويس. 4) دخول تلك الطبقة الجديدة ولو بشكل محدود كلاعب ذو خلفية مدنية في منطقة اقتصاديات التسليح التي كانت مقتصرة قبل ذلك على العسكريين.

وتجاوز الأمر ذلك إلى منافسة طبقة رجال الأعمال لطبقة القادة العسكريين التقليديين في المزايا التي خلفها لهم نظام يوليو ذاته مثل: 1) تعديل المنظومة الأمنية المتحكمة في تفاصيل الحياة العامة في مصر سواءا من خلال الدور غير المسبوق لدولة أمن الدولة وشرطة حبيب العادلي بشكل عام أو من خلال زيادة المكون المدني في دولة جهاز المخابرات العامة لتصبح شبكات علاقاته ومصالحة في خدمة طبقة رجال الأعمال الجديدة بديلا عن دورها التقليدي في خدمة مصالح القادة العسكريين التقليديين. 2) من منظور اجتماعي تهديد مميزات وصلاحيات طبقة العسكريين التي أفرزها نظام يوليو لصالح الطبقة الجديدة من رجال الأعمال. 3) تسلل الكثير من المدنيين المنتمين لطبقة رجال الأعمال إلى المناصب الإدارية والسياسية التي كان يحتلها العسكريون فيما سبق. 4) أخيرا يأتي التهديد الأكبر والذي مثل الحد الفاصل في الصراع والذي تمثل في مشروع التوريث وقدوم رئيس غير عسكري يمثل تلك الطبقة على رأس المؤسسة العسكرية.

الولايات المتحدة في عشية الإطاحة بمبارك:

مع وصول المحافظين الجدد للحكم في الولايات المتحدة وجنوح الفكر الاقتصادي الأمريكي نحو أفكار اقتصادية أكثر يمينية تتمثل في سياسات النيوليبرالية جاءت أحداث سبتمبر لتصيب جزءا أكثر عمقا من العقلية الأمريكية يتعلق بالأمن القومي ما وجه المحافظين الجدد المنتشرين في الإدارة ومؤسسات الدولة نحو نظرية جديدة مفادها أن طريقة الحكم في الدول العربية يعد أحد منابع الإرهاب التي أدت إلى ظهور التنظيمات الراديكالية كالقاعدة التي ولدت بالأساس على يد المجاهدين القادمين من تلك البلدان. أدى ذلك إلى تغير ما في قوة الدعم السياسي من جانب الولايات المتحدة –إدارة بوش- لحسني مبارك والضغط من أجل فتح المجال السياسي والمدني بشكل أكبر، الأمر الذي تراجع على كل حال مع نجاح حسني مبارك في استخدام فزاعة الإخوان المسلمين من ناحية وتراجع شعبية أفكار المحافظين الجدد في الولايات المتحدة بعد تورطهم في العراق وأفغانستان من ناحية أخرى لتعود إدارة أوباما لسابق عهد الإدارات الأمريكية من دعم النظام السياسي المصري بكل شكل ممكن ولكن بعد أن ولدت لدى بعض الباحثين الأمريكيين المهتمين بالشرق الأوسط والغير منخرطين بشكل رسمي في الدوائر الحكومية الأمريكية أفكارا مستقبلية عن علاقة أمريكا بالقوى القادمة إلى الساحة السياسية المصرية حال انهيار نظام حسني مبارك تحت ضغط رفض الشارع المصري وعناصر النظام القديم لمشروع التوريث وطبقة رجال الأعمال الصاعدة واقتراب الأجل البيولوجي للرئيس مبارك.

في الفترة بين 2007 و 2009 ذهب البعض مثل ستيفن كوك إلى أهمية دور المؤسسة العسكرية التي تمثل القلب الصلب للنظام السياسي في تمديد سياسات مبارك من ناحية الحفاظ على المصالح الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة سواءا عن طريق تشجيع المؤسسة العسكرية على دعم انتقال السلطة في هدوء لخليفة مبارك المحتمل جمال مبارك أو عن طريق تشجيع التحول الديمقراطي في مصر تحت إشراف القادة العسكريين لتجنب الصدام المسلح بين العسكريين والقوى الإسلامية ذو التأثير المدمر على استقرار المنطقة وهو المسار الذي سارت فيه الأمور في مصر بعد ذلك.

وحتى ما يبدو أنه قد شاب صفو العلاقة بين القادة العسكريين والولايات المتحدة بعد الإطاحة بمبارك كان أمرا متنبأ به حيث افترض ستيفن كوك في 2009 أن جهود مجموعات الديمقراطية في الولايات المتحدة والتي ستحاول دفع صناع السياسة الأمريكيين نحو دفع الحكام العسكريين في مصر نحو تحقيق انتقال ديمقراطي شفاف، أو محاولات الحكام العسكريين في مصر تجميع قواهم الداخلية وتحرجهم من السير في تفاهمات قد لا تلاقي ترحيبا شعبيا عميقا قد يؤثر على العلاقة قصيرة المدى بين مصر والولايات المتحدة ولكنها لن تؤثر على العلاقات طويلة المدى. في حين ذهب بعض الباحثين في تلك الفترة أيضا 2007/2009 كمارك لينش ومنى يعقوبيان وشادي حميد إلى ما هو أبعد من ذلك بأن ركزوا على ضرورة دعم الديمقراطية من جانب وإدماج الإسلاميين المعتدلين في تلك الديمقراطية من جانب آخر لتجنب السقوط في هوة الإسلاميين الراديكاليين. ويبدو أن محصلة تلك السيناريوهات هي تحديدا ما سار فيه المسار المصري عقب يناير 2011 بل يبدو أن الأمور قد سارت على نحو أفضل مما كانت تتوقع تلك السيناريوهات بما أبداه الإسلاميون المعتدلون والأكثر راديكالية على السواء من تفهم واستعداد للتعاون سواءا مع العسكريين التقليديين في مصر أو مع المصالح السياسية والاقتصادية للولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة.

اللاعبون في مصر ما بعد مبارك:

يمكننا القول إجمالا أن لدينا في مصر ما بعد مبارك جبهتين متضادتين وجوبا هما الثورة والسلطة. بالطبع لم يكن ينبغي للأمور أن تثير كذلك عقب الإطاحة بمبارك في أعقاب هبة شعبية ضخمة كالتي حدثت في مصر إذ أن الوضع الطبيعي هو أن ينتفي ذلك التضاد بمجرد نجاح الثورة، ولكن نظرا لانعدام التنظيم والخبرة السياسية من ناحية لدى معظم الأطراف الثورية، ونظرا أيضا للولاء الزائد أو المحافظة الزائدة التي يتمتع بها القادة العسكريون في مصر من ناحية أخرى والتي جعلتهم يسعون للحفاظ على السمات الأساسية للنظام المثار عليه فقد وقفنا أمام الحالة التي وصفها عالم الاجتماع آصف بايات بحالة الثورات الإصلاحية والتي صكها في الاصطلاح Refolution وهي لفظة يمزج فيها كلمة إصلاح Reform بكلمة ثورة Revolution وهي ما وصفه بأنه الحالة التي يطلب فيها الثوار من ذات هياكل النظام القديم إجراء الإصلاحات الهيكلية التي ينشدونها نيابة عنهم.

الأكثر إرباكا بين هذه الأطراف هو موقف بعض المجموعات المنظمة التي انتقلت بيسر من معسكر الثورة إلى معسكر السلطة كالإخوان المسلمين وتحالف الأحزاب السلفية إلى الحد الذي أصبحت تستخدم معه نفس مصطلحات السلطة ضد الثورة سواءا سلطة حكم مبارك أو سلطة الحكم العسكري كذلك إلى الحد الذي أصبحت تجرم عنده بعض أفعال وممارسات الثورة التي كانت في الأمس القريب جزءا منها. وهذا الموقف على إرباكه إلا أنه يجعلنا مطمئنين لا نذهب إلى التحليل المطروق الذي يقسم اللاعبين في مصر إلى عسكر وميدان وبرلمان حيث أن غالبية البرلمان تجعلنا مرتاحين أيضا ونحن نضع البرلمان في معسكر السلطة مقابل معسكر الثورة إلا في بعض الاستثناءات. أخيرا ينبغي التنويه أننا لا نعتبر الشارع أو العامة أو حزب الكنبة طرفا منفصلا حيث أنه بعيدا عن التقسيمات المذكورة أعلاه لا يبادر ولا يتحرك بشكل استباقي برغم أهميته التي تكمن فقط في كونه مخزونا استراتيجيا محتملا يرجح بتدخله الواسع كفة أحد الأطراف على الآخر. أيضا ينبغي التنويه أن كلمات ثورة أو سلطة في هذا التحليل لا تقصد إلى الوصم أو التقليل ولكن فقط إلى التحليل على أساس مجرد أساسه أن المعنى الدلالي لمفردة الثورة هو عكس المعنى الدلالي لمفردة السلطة.

في جانب السلطة يمكننا تمييز القادمين الجدد من معسكر الثورة إلى معسكر السلطة –أعني القوى الإسلامية التقليدية- والذين يملكون رؤية كلية تختلف عن الرؤية التي انتهجتها وتنتهجها العناصر القديمة في تلك السلطة –أعني العسكريين التقليديين والمدنيين الباقين من الحقبة المباركية- وإن اتفقا معا في بعض السمات الأساسية للنظام كما أشرنا، وهو ما يجعل تلك القوى القادمة منافسا قويا لسلطة العسكريين خصوصا مع تنظيمها المحكم وعمقها الاجتماعي. وهو ما يجعلها أيضا حذرة للغاية في مواجهته 1) نتيجة للخبرات التاريخية السيئة المرتبطة لديها بتلك المواجهة الصريحة 2) وأيضا نتيجة لطبيعتها المحافظة المشابهة له 3) وأيضا لاتفاقها المرتاح معه فيما يخص السمات والمحددات الأساسية للنظام السياسي التي لا تسعى لتغيير الدور الإقليمي لمصر أو سياساتها الاقتصادية والاجتماعية أو حتى وضع حالة الحريات والحقوق الفردية بها. ويمكننا أيضا ان نميز في معسكر السلطة -وتحديدا في جانب الوجوه القديمة في السلطة- خطا آخرا يفصل بين المكون المدني الذي طوره مبارك -حتى من بين بعض من يملكون خلفية عسكرية- ووضع على رأس جهازه الأمني جهاز المخابرات العامة ووجهه الداخلي المتمثل في جهاز مباحث أمن الدولة وشرطة حبيب العادلي والذي كان يعني بشكل أساسي بخدمة مصالح طبقة رجال الأعمال الجديدة ومشروعها السياسي في التوريث، وبين المكون العسكري الذي يعنى بشكل أكثر مباشرة بمصالح العسكريين وكان على رأسه أجهزة المخابرات الحربية المختلفة والذي كان مبارك يقف بينهما كضابط مرور ينظم العلاقة بين شبكات المصالح المختلفة.

من الواضح أن الترتيبة الأمنية الجديدة التي يسعى إليها الحكام العسكريون الجدد هو تغليب وفرض سيطرة النظام الأمني المرتبط بمصالح طبقة العسكريين على النظام الأمني المرتبط بمصالح طبقة رجال الأعمال. يعكس ذلك الصراع الأصيل الذي دار بين الطبقتين في أواخر عهد مبارك والذي أشرنا إليه في بداية المقال. ويبدو أن وضع قائدا للمخابرات الحربية على رأس جهاز المخابرات العامة كان يهدف إلى ذلك، ويبدو أيضا أن ذلك لا يروق لجهاز المخابرات العامة الذي لا زال يدافع بشراسة عن استمرار مصالح طبقة رجال الأعمال وشبكاتها العميقة. بالمناسبة، أعتقد أن شبكات الدولة العميقة هي تكوينات أكبر من الأفراد وأنها شبكات تعمل ذاتيا من أجل تحقيق مصالح بعينها حتى وإن سقط منها بعض أفرادها الذي تلفظه وتلتئم من دونه وتستمر في عملها من غيره.

في جانب الثورة تبدو الأمور أقل تعقيدا فسواءا كنا نتكلم عن القوى الليبرالية أو اليسارية أو الإسلاموية الثورية أو ما بعد الإسلاموية أو الشعبية الغير مسيسة فالطابع الفردي والتلقائي وغير التنظيمي هو السمة المميزة لذلك المعسكر وإن كان ذلك لا ينفي وجود المجموعات الصغيرة المنظمة هنا أو هناك. فالثورة قامت على أكتاف شبكة واسعة للغاية ورخوة للغاية من الأفراد والمجموعات الصغيرة، وهو الحال الذي استمر في دفع الأهداف الثورية بعد الثورة دون تطورها لتشكيل تيار اجتماعي منظم أو أكثر لتمثيل تلك الأهداف في الإدارة. غني عن الذكر أن ذلك النموذج وإن كان هاما للغاية من أجل النجاح في إشعال الثورة ذاتها والتسرب من بين ثقوب الجهاز الأمني للسلطة إلا أنه يمثل في الوقت ذاته عيبا هيكليا يمنع الثورة من إتمام الوصول للسلطة وتحقيق أهدافها كاملة، وهو الخلل الهيكلي الذي لا يفصل الثورة عن النجاح سوى إصلاحه سواءا على مستوى التيارات الثورية الخمسة مجتمعة –وهو أمر أستبعده- أو على مستوى اتحاد واحد أو أكثر من تلك التيارات الثورية.

التيار ما بعد الإسلاموي كفرصة لمصر الثورة:

برغم كوني ليبراليا ليس لدي مشكلة هيكلية في أفكار السوق الحر أو التجارة الدولية أو العلاقة بالغرب، وعلمانيا أؤمن بضرورة الفصل التام بين الدين والسياسة وعدم اعتبار الدولة راعيا رسميا للدين والأخلاق إلا أنني قد رتبت التحليل السابق بالكامل بناءا على الملاحظة الموضوعية لسير الأمور بعيدا عن أية انحيازات مسبقة وعلى ذلك أيضا أرتب فرضيتي الأخيرة في هذا التحليل والتي ترى أن حل معضلة الثورة والسلطة في مصر تكمن في نجاح تنظيم التيار الثوري الذي أطلقت عليه بالأعلى التيار ما بعد الإسلاموي وهو مصطلح قام بصكه آصف بايات أيضا وعرفه بسمتين متلازمتين هما 1) التصالح مع تدين المجتمع ومع التعبير عنه بشكل علني من ناحية 2) وتبني آليات حكم مدنية ديمقراطية مدنية تحمي الحقوق والحريات من ناحية أخرى وأضاف لهما الصديق الباحث إسماعيل الاسكندراني –الذي قام أيضا بترجمة مصطلح إسلاميزم إلى إسلاموية وليس إسلامية للتفريق بين Islamist و Islamic- سمة أخرى هي 3) عدم استخدام الخطاب الديني في قضايا الجدل السياسي والتعبئة الحزبية.

افترضت الطروح الخاصة بدمج الإسلاميين (الإسلامويين) في العملية السياسية أن ذلك سوف يجذب إلى الساحة السياسية التيارات الإسلامية الأكثر اعتدالا التي تقبل الانغماس في تلك العملية في مقابل ضمور المجموعات الراديكالية الأخرى هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن الانخراط في تلك العملية السياسية سوف يقود تلك التيارات إلى أرضيات أكثر اعتدالا. هذا الطرح هو صحيح في مجمله ولكن ينبغي علينا أن نتذكر في النهاية أن جودة هذا الطرح تأتي من منظور جودة العلاقات مع الولايات المتحدة التي لا أعاديها بشكل شخصي ولكن قادنا التحليل إلى أن محاولة الحفاظ على نمط الحكم المحدد بمحددات المصالح المرتبطة بمصالحها الاستراتيجية والاقتصادية هو أحد أهم أسس العلة في النظام السياسي المصري. أما من المنظور التقدمي للثورة فإن الخروج من تلك الدائرة يكون بتبني مشروع وطني يجمع بين 1) الحريات العامة والفردية 2) والانحياز الاجتماعي 3) واستقلال القرار السياسي في آن واحد وهو ما يعتبر تمام تقويض النظام السياسي الذي قامت ضده الثورة. وهو بالضبط ملامح مشروع المجموعات ما بعد الإسلاموية التي لازالت تحتفظ بقدرة جيدة على التنظيم ناتج من انخراطها في العمل التنظيمي مع المجموعات الإسلامية التنظيمية بالإضافة إلى انفتاحها الفكري والسياسي وانحيازها الاجتماعي الذين كانوا أسباب رئيسية في انفصالهم عن التنظيمات التقليدية للإسلاميين. إضافة إلى ما يتمتع به ذلك التيار من ميزة أنه التيار الوحيد القادر على الصمود في وجه القدرات التكفيرية لتيارات الإسلام الكلاسيكي ما يذكرنا بفكرة معارضة الإصلاحيين للمحافظين في إيران والذي تجسد وبلغ ذروته في الحركة الخضراء التي عارضت أسس الجمهورية الإسلامية الإيرانية. وفي جيل ما بعد الأيديولوجيا سيكون انحياز مجموعات وسطية أقل تطرفا من جانب الليبراليين واليساريين إلى جانب تلك التيارات أملا جيدا لتكوين تيار مجتمعي رئيسي يمكنه من المنافسة وإنفاذ أهداف الثورة إلى المستوى الإداري في الدولة.

أخيرا فإن نموذج تنافس الإسلامويين وما بعد الإسلامويين لا ينبغي أن يكون نموذجا مرعبا للمجموعات العلمانية ويذكرنا بفكرة شبيهة بفكرة أن يحافظ الجمهوريين والديمقراطيين على حد سواء في الولايات المتحدة على حد أدنى من الانحياز إلى أفكار الليبرالية الاقتصادية مع وجود مجموعات محلية أصغر من كافة التيارات الأخرى. كذلك يذكرنا بتجربة العدالة والتنمية في تركيا والتي خرجت من رحم التيار الإسلامي الأكثر تشددا مع فرق جوهري في صالح ثورة مصر أن تخفيف اللهجة الراديكالية من قبل العدالة والتنمية التركي كان نوعا من الاستراتيجية في معركة طويلة مع هيمنة العسكر الكماليين على السياسة التركية مقابل صدام القوى الإسلامية التقليدية التركية المتكرر مع الكماليين والذي كان دائما ما ينتهي لصالح الكماليين. وهو عكس الحال في مصر الذي يمثل صعود التيار ما بعد الإسلاموي فيه تهديدا جذريا للهيمنة العسكرية في ظل أن القوى الإسلامية التقليدية تشارك العسكريين ذات الانحيازات. أخيرا فإن نجاح الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح وبعض من ننتظر انضمامهم إليه في المستقبل في تنظيم صفوف ذلك التيار الذاخر بالشباب والمنافسة في معركة انتخابات الرئاسة وتكوين ذلك التيار الاجتماعي بغض النظر عن فوزه فيها من غيره يعد تجسيدا عمليا لتلك الطموحات.

تنبيه: هذه القصيدة تحتوي على كلمات بذيئة

حارب لوحدك مش هحارب مع خول

ياللي افتكرت إنك لوحدك انتصرت يوم الجمل

وبإيدك انت شاركت ف صناعة الخازوق

إوعاك تقول إن الخازوق لا يحتمل

حارب لوحدك

حارب لوحدك وافتكر لما ينيكوك

إنك خول بتبيع أخوك

وإياك تفكر إني ناوي أتناك معاك

مش غلطتي إن العساكر بعبصوك

حارب لوحدك

حارب لوحدك يا جبان

أنا اللي يوم المعركة فتشت عنك ف الميدان

مديت إيديا وإنت قفلت البيبان

أتاريك خول تتناك عشان البرلمان

قتلوني هما بالرصاص وإنت قتلتني بالبيان

حارب لوحدك

فاكر يا كس أمك في مايو لما قلت عليا ناكر للجميل؟

الجيش حمى الثورة وقلت اللي يثور ع الجيش عميل

فاكر ف يوليو لما قدمت بإيديك ييجي ميت دليل

إنك هتمشي في الميعاد خاضع ذليل

وإن اللي يقعد بعدها يستحق يموت قتيل؟

حارب لوحدك

فاكر نوفمبر أو ديسمبر لما سبت الناس تموت

وياريت سكت فكنت هحترم السكوت

لكن طلقت مدافع الكلمات ف ضهري قتلتني

مين اللي قال إن الخيانة ف معركة ممكن تفوت؟

حارب لوحدك

فاكر يا كس أمك ف ذكرى الانتصار

لما احتفلت ولسه فوق أرض الميدان دم اللي ثار

لما هتفت تحيي قاتل لسه بيني وبينه تار

وجيت مسامحك ف اللي فات زي الحمار

وطلبت أسيبلك حق تحديد المسار

أتاريك خول فضربت على قلبك وع المبني الحصار

حارب لوحدك

وعايزني جنبك ف الميدان

وانت اللي قايل ف البيان

الحكم حكم البرلمان

حارب لوحدك يا جبان

مش غلطتي إن العساكر بعبصوك

حارب لوحدك يا خول ملعون أبوك

ملعون أبوك

حارب لوحدك

                    باسم فتحي


مقدمة

مشهد كلاسيكي تجوب فيه عربة تجرها الحيوانات شوارع المدينة تحمل فوق ظهرها قفصا كبيرا من العيدان الخشبية بداخله المتهم يجاوره مجموعة كبيرة من كتبه نحو المكان الذي سيتم إحراقه وإحراق كتبه فيه، بينما تهتف الجماهير على جانبي الطريق بمنتهى الحماسة تحقيرا منه ومن هرطقاته من ناحية وتمجيدا لحكمة السلطات التي قررت إحراقه وإنقاذ المجتمع من شروره من ناحية أخرى. المثير في الأمر هو تطابق ذلك المشهد بحذافيره سواءا كان الذين بداخل القفص من الساحرات اللائي تجاورهن كتب السحر والشعوذة أو من أولئك الذين قرروا أن يجهروا بما يعتقدون تجاورهم كتب المنطق والرياضيات والفيزياء والفلك والفلسفة.

مشهد مرشح للتكرار الآن بينما أكون أنا أحد أبطاله الذين سيوضعون في القفص الحديدي لأنهم متهمون فيما يعرف في مصر إعلاميا بقضية التمويل الأجنبي وما يعرف خارجها إعلاميا بقضية المنظمات غير الحكومية وما أعرفه أنا وقليلون عن أنه عقاب للذين جهروا بما يعتقدون، خصوصا وأن في خلفية المشهد مشهدا برلمانيا للأغلبية البرلمانية المنتخبة في “برلمان الثورة” وهي تصفق للنائب المحترم مصطفى بكري (الذي كان يجاور مبارك على طائرته الخاصة بالمناسبه وكان يتلقى تمويلا منتظما لدعمه سياسيا ودعم جريدته من معمر القذافي وصدام حسين وينشر في جريدته العروبية إعلانات لشركات مصرية إسرائيلية وغير ذلك الكثير) وهو يصيح ضد “عملاء أمريكا” الذين يقفون من خلف الثورة، وأيضا لتلك الأغلبية وهي تصيح ضد النائب محمد أبو حامد وتقاطعه وهو يرفع داخل البرلمان فوراغ الخرطوش التي أطلقته وزارة الداخلية (التي لم يتم تطهيرها بعد من قيادات العادلي) بينما ينكره الآخرون داعين إلى تبرير القتل وتحجيم التظاهر (الذي أتى بعم إلى مقاعدهم). تلك الخلفية التي تناظر خلفية المشهد الكلاسيكي المذكور أعلاه حيث كان يصيح آخرون في مقاعد الكنيسة الدائرية (التي تشبه كثيرا مقاعد البرلمان) ضد من تجرأ وجهر بما يعتقد بأنه فاسق وهرطيق، بينما يضربون بأيديهم فوق الطاولات ويدبون بأرجلهم على الأرض مطالبين بإحراقه.

يا إلهي .. الأمر معقد وملتبس .. يجب علي أن أشرح لهم أن هناك فارقا بين نشاطي التطوعي كمؤمن بالثورة والحرية وحقوق الإنسان والديمقراطية وبين عملي كموظف بإحدى منظمات المجتمع المدني الأجنبية. يجب على أيضا أن أشرح لهم أن منظمات المجتمع المدني هي شئ ملازم للديمقراطية والحرية على المستوى وملازم له وأن نشاط تلك المنظمات على المستوى العالمي ليس جرما أو مؤامرة. يجب أن أشرح ما هو المجتمع المدني وما هو الحق في التنظيم وما هو التضامن العالمي من أجل القيم الكبرى. ثم يجب أن أشرح لهم بوجه أكثر عمقا ما هي “فريدم هاوس” التي أعمل لديها وماذا تفعل وماذا تريد. ثم يجب أيضا أن أشرح ما هي قضية التمويل الأجنبي وما هي علاقتها بما يحدث في مصر الآن. أمر شاق ولكنه يستحق، إذا لم يكن ابتغاء للعدالة الرسمية فطمعا في عدالة الأهل والأصدقاء والمقربين الذين سيقتلني بحق أن أرى وجوههم بين صفوف الجماهير التي ستهتف حين أمر في القفص الخشبي بحماس .. أحرقوووه .. هرطيييق.

عن الفارق بين نشاطي التطوعي وبين عملي في مجال المنظمات الغير هادفة للربح:

سيرة ذاتية غير مهنية مختصرة

لا أريد أن أتوقف كثيرا عند تلك التفاصيل الشخصية نظرا لأن هناك ما هو أهم لمناقشته ولكن أستطيع تذكر أنني ابتدأت اهتمامي بالعمل العام عندما كنت طالبا في المرحلة الاعدادية منذ حوالي 15 عاما عن طريق مشاركتي في مجموعة كبيرة من الأنشطة التي يشارك فيها الطلاب في تلك المرحلة وكان من أهمها وأكثرها تأثيرا اقترابي من مجموعات الإخوان المسلمين في مدرستي ومنطقتي -تلك المرحلة هي المرحلة المثالية التي يقوم فيها الإخوان المسلمون باستقطاب الشباب الذين ليس لهم تاريخ عائلي يرتبط بالجماعة- واستمر ارتباطي بمجموعات الإخوان المسلمين لمدة 7 أعوام تقريبا حتى انتهاء العام الأول من دراستي الجامعية. تعلمت الكثير في جماعة الإخوان المسلمين إلا أن أمورا تتعلق بمبدأ السمع والطاعة في المنشط والمكره وطريقة الإدارة الهرمية المحكمة للجماعة وطريقة فهم وتفسير الدين بطريقة معينة وعن طريق شخص ما كانت أهم ما لم يعجبني في الأمر، وبمجرد أن امتلكت ادوات تفكيري وإصدار أحكامي وقراراتي بطريقة مستقلة انفصلت تماما عن ذلك العالم محتفظا بما رأيته خيره ومتنازلا عما ما رأيته شره.

أمضيت سنوات الدراسة الجامعية بعد الابتعاد عن الإخوان المسلمين أعيد التفكير في كافة الأفكار والاتجاهات واستغرق ذلك بحثا وقراءة  في حدود ما أتيح لي من أدوات وما كنت قد وصلت إليه من نضوج يتناسب مع مرحلتي العمرية. تزامن ذلك مع طرح فكرة انتخابات الرئاسة وما سبقها من تأسيس حزب الغد الذي قررت الانضمام إليه في تلك الفترة والعمل معه حتى انقضاء المولد وسجن أيمن نور ثم ابتعدت أيضا عن حزب الغد لأسباب تتعلق بالتنظيم الداخلي وتمحور الحزب حول شخص (مع كامل احترامي وتقديري لذلك الشخص) مما حال دون تأسيس صف ثاني من الكوادر لاستكمال مسيرة الحزب. تركت الغد ولم اترك قناعاتي بفكرة الليبرالية الاجتماعية التي تأخذ من الليبرالية فلسفة الحريات وتنحاز في الوقت ذاته لمن هم تحت في السلم الاجتماعي. اختبرت إيماني بتلك الفكرة عبر اقترابي من المجموعات الاشتراكية الديمقراطية في محاولة مبكرة لتأسيس الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي في 2006 ومن دوائر شباب الاشتراكيين الثوريين في 2008  ومن الدوائر الليبرالية في حزبي الغد مرة أخرى والجبهة الديمقراطية ومصر الحرية في 2010/2011. وفي كل الحالات وجدتني متمسكا بفكرتي عن الليبرالية الاجتماعية وواصفا نفسي بالليبرالي اليساري ما كان محلا للانتقاد من طرفي الطيف السياسي. ولأسباب لها علاقة بعدم تحبيذي لاختيارات الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي الخاصة بتحالفاته الانتخابية لم أنضم له برغم كونه الأقرب لأفكاري ووانضممت كفرد أقل من العادي في حزب التحالف الشعبي الاشتراكي تأكيدا لفكرة كونه مظلة واسعة لأصحاب الانحيازات الاجتماعية من أقصى اليسار إلى أقصاه

في 2008 تحركت نحو مستوى آخر في العمل العام استلزم التزاما أكبر وعملا يوميا وحضورا دائما وكان ذلك حين اقتربت من المجموعات والأشخاص الذين دعوا للإضراب العام في 6 أبريل ثم عملوا على تأسيس حركة شبابية تعمل مباشرة في مواجهة النظام القمعي ومن أجل تحقيق الديمقراطية في مصر. انتقلت هنا لمرحلة مختلفة من النشاط لها علاقة بالبحث عن الخبرات التاريخية والعالمية المتعلقة بمواجهة الديكتاتوريات وتمصير تلك الخبرات ونشرها وتنظيم المجموعات الشبابية من أجل تحويلها إلى واقع ملموس يساهم في التغيير. أمضيت ما يقرب من عامين منخرطا في العمل مع  شباب 6 أبريل ولأسباب تتعلق فقط بالرؤى النظرية والتنظيمية توقفت عن العمل معهم وانتقلت للمساهمة في تأسيس حملة دعم البرادعي لتكون رافدا آخرا للحركة الشبابية ضد الديكتاتورية ومن أجل الديمقراطية في مصر واستمر ذلك لما يقرب من العام أيضا قبل أن أقرر الانسحاب أيضا لأسباب تنظيمية وبذل محاولة أخيرة مع اتحاد شباب حزب الغد في عشية الثورة ثم التوقف تماما عن العمل الجماعي المنظم والاكتفاء بالنشاط الغير منتظم مع المجموعات والمبادرات الشبابية الثورية المختلفة.

سيرة ذاتية مهنية مختصرة

بعيدا عن انحيازاتي الفكرية أو عن التزامي التنظيمي مع هذه المجموعة أو تلك تخرجت من كلية العلوم وقد حصلت على بكالوريوس في الكيمياء وعلوم الحياة وكان ذلك بناءا على اهتمامي في مرحلة ما قبل الدراسة الجامعية بعلوم الجينات والهندسة الوراثية والبيولوجيا الجزيئية ذلك الاهتمام الذي بدأ في التغير في منتصف الطريق ليتحول إلى اهتمام بالإنسان وعلومه الإنسانية ومعتبرا علوم البيئة رابطا مناسبا بين مجالي العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية وبناءا عليه قمت بالتركيز على ذلك الرابط ودراسته باهتمام (والحصول على منحة ممولة أجنبيا لدراسة إحدى مقرراته مع جامعة نوتنجهام الإنجليزية في ضاحية من ضواحي العاصمة البرتغالية لشبونة) ثم عدت للحصول على شهادتي الجامعية ثم بدء حياتي الوظيفية في مشروع ممول أجنبيا من الحكومة الإيطالية بالتعاون مع جهاز الدولة لشئون البيئة من أجل رسم خريطة للتنوع البيولوجي في مصر. انتقلت بعد ذلك للعمل في منظمة مجتمع مدني مصرية ممولة تمويلا أجنبيا تعمل في مجال البيئة ونشر الوعي البيئي والتعليم البيئي لطلبة المدارس. هذا المسار المهني هو مسار متعارف عليه في العالم أجمع ويسمى القطاع الغير هادف للربح Non-profit Sector وعلى سبيل المثال يمثل العاملين فيه 10% من قوة العمل الأمريكية ويتقاضون 9% من مجموع الرواتب والأجور المدفوعة في الولايات المتحدة في العام.

انتقلت بعد ذلك إلى نطاق آخر في نفس القطاع  الغير ربحي وهو مجال المنظمات غير الحكومية العاملة في مجال الديمقراطية وكان ذلك مساعدا لي على التركيز في مجال واحد حيث يرتبط مجالي المهني ووظيفتي التي أتقاضى أجرا في مقابل ساعات عملي بها بنشاطي التطوعي الذي لا أتقاضى أجرا في مقابله ما ساعدني على طرق مجال الدراسة الأكاديمية في هذا المجال ودراسة إدارة المنظمات غير الحكومية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة والاستعداد لإعداد الدراسات العليا في العلوم السياسية بشكل عام. قمت بالعمل لمدة ثلاثة سنوات في مجموعة من المنظمات المصرية العاملة في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان ثم انتقلت للعمل في إحدى المنظمات الألمانية العاملة في نفس الاتجاه ثم انتقلت إلى منظمة فريدم هاوس التي أتهم بالعمل لديها حاليا.

 ملاحظات عن المجتمع المدني والتضامن الدولي:

لن أقوم هنا بإعادة قص ولصق التعريفات الأكاديمية النمطية للمجتمع المدني الغير متفق على تعريفه أصلا وفي الحقيقة أود بشدة الاكتفاء بالتنويه لقراءة تلك التدوينة الهامة والمبسطة بالعامية المصرية للمدون أحمد عوض الله عن المجتمع المدني بعنوان “يعني ايه مجتمع مدني؟” وقراءة بيان الحقائق التي نشرته الخارجية الأمريكية عن منظمات المجتمع المدني في الولايات المتحدة الأمريكية.

ولكنني أيضا أود المشاركة بملاحظات بسيطة تشرح فكرة المجتمع المدني  -الغير متفق على تعريفها أكاديميا تعريفا مانعا جامعا- من مناظير مختلفة. فمن منظور سياسي فإن المجتمع المدني هو حلقة الوصل بين الفرد والدولة من أجل تجسيد مصالح وتطلعات الأفراد والدفاع عنها في مقابل الدولة وهو الساحة الخلفية للسياسة كما يقول جرامشي. ومن منظور اقتصادي يقف المجتمع المدني كقطاع ثالث بين القطاعين الحكومي والخاص فلا هو قطاع غير حكومي ولا يهدف للربح. ومن منظور اقتصادي اجتماعي يقوم ذلك القطاع الثالث بملء الفجوة التي لا تستطيع البيروقراطية الحكومية ملأها بسهولة بينما لا يهتم القطاع الخاص بملأها من الأصل، أما من منظور اجتماعي بحت فالمجتمع المدني هو مجتمع ما فوق الانتماءات الطبيعية الأولية للأفراد كالانتماءات العائلية أو القبلية والذي ينتظم فيه الأفراد في جماعات تتجاوز انتماء الرحم في المجتمع الحديث كالانتماء إلى الدين أو الطائفة الدينية أو ما يجاوز ذلك إلى الانتماء لروابط العمل أو روابط الاهتمامات أو حتى الهوايات المشتركة أو المصالح المشتركة الاقتصادية سواءا كانت انتاجية أو استهلاكية أو المصالح السياسية أوالاجتماعية المشتركة. إلى آخره.

مع تنامي ثورة الاتصال بين أطراف العالم -سواءا أطلقنا على ذلك عولمة أو غير ذلك- بدأت التنظيمات الغير حكومية تأخذ منحى جديدا وهو ظهور المنظمات غير الحكومية الدولية العابرة للحدود، لم يكن ذلك ببعيد عن اتجاه علماء الاجتماع في العالم أجمع للحديث عن تغير مفاهيم الأمن القومي والانتقال من الأمن القومي النسبي إلى مجتمع المخاطر العالمي وظهور المجتمع المدني العالمي الذي يرتبط بالانتقال من الشمولية إلى الديمقراطية والانتقال من العصر الصناعي إلى عصر المعلومات ثم عصر المعرفة. بالمناسبة لا نتحدث عن التاريخ القريب ولكننا نتحدث عن تغير في طريقة تفكير العالم أجمع منذ نصف قرن على الأقل. في هذا الإطار لا أجد الأمر غريبا عندما أدعم الحركة الديمقراطية في ميانمار وأتابع بشغف احتجاجات الرهبان هناك بل قد أتبرع ببعض ما يفيض من راتبي لدعم تلك الحركة. في الحقيقة لم يحدث أن فاض جزء من راتبي كي أتبرع به لميانمار ولكن بنفس المنطق تبرع بعض المصريين لدعم الثوار في ليبيا أثناء معركتهم مع السفاح معمر القذافي وتبرع آخرون بحوالي نصف مليون جنيه من الأدوية أثناء معركة الشباب مع ميليشيات الأمن المركزي في شارع محمد محمود في نوفمبر وتبرع آخرون بملايين الجنيهات لتسيير الحياة في جمهورية التحرير أثناء أحداث ال 18 يوم في يناير.

لا أرى ذلك مختلفا عما يفعله بيتر أكرمان الذي يقال في كل محفل معاد للديمقراطية في مصر أنه يهودي منخرط في المؤامرة الكونية ضد مصر (لا أعلم ديانته على وجه التحديد حيث أن تلك الأمور تصعب للغاية خارج منطقتنا لكني أظن أن بيتر أو بطرس هو أسم مسيحي خالص ولا يتسمى به اليهود، وحتى لو كان يهوديا فالأمر لا يعني إلا هؤلاء الذين تعلموا كره الدين اليهودي لأسباب سياسية  ديماجوجية بحته). ما يفعله بيتر أكرمان أنه استطاع العمل من أجل تجميع مليارات عديدة من الدولارات من خلال مجموعة من المشاريع الصغيرة والمتوسطة وخصصها لخدمة ما يؤمن به وهو أفكار محاربة الديكتاتورية من خلال اللاعنف آمن بها من قبله غاندي في نضاله ضد الاحتلال البريطاني ومارتن لوثر كينج في نضاله ضد التمييز العنصري. يوجد مثل أكرمان الكثير والكثير حول العالم وربما يقال عنهم جميعا في مصر أنهم يهود ضالعون في المؤامرة الكونية ضد مصر أو ضد الإسلام، ولكنني أتحدث عن أكرمان تحديدا الذي قابلته في أحد المرات وعلمت عن ثروته ومصادرها وعما يؤمن به ويضيع ثروته من أجل دعمه حول العالم.

عن حرية التنظيم في مصر وحق المدافعة عن مبادئ حقوق الإنسان:

 لكل فرد حق في حرية تكوين الجمعيات مع آخرين، هذا هو ما استهلت به المادة 22 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية. وبغض النظر عن أن مصر قد قامت بالتصديق على ذلك العهد منذ أمد بعيد إلا أنه الحقوق المتفق عليها في العهدين الدوليين والإعلان العالمي لحقوق الإنسان ومجموعة من الاتفاقيات الدولية الأخرى قد أصبحت منذ زمن عرفا استقر في ممارسات الأمم الحديثة حول العالم. إلا أن ما عرفته مصر أثناء حكم مبارك هو التضييق على الحقوق الواردة في الاتفاقيات الدولية بل في الدستور المصري بالقوانين المحلية ثم التضييق على القوانين باللوائح التنفيذية ثم التضييق على كل ذلك أو تجاهله بالكلية من خلال الممارسات البوليسية للدولة. وهو نفس منطق قانون 84 لسنة 2002 الخاص بالجمعيات الذي يعد الأكثر تقدمية مقارنة بالقوانين السابقة عليه في ذلك الشأن إلا أنه يعد أيضا بالمقاييس العالمية أحد أكثر قوانين التنظيم جورا وقمعا وتضييقا. وهو بالمناسبة الذي ترفض جماعة الإخوان المسلميين التسجيل كجمعية من خلاله نظرا لما تراه فيه من قمعية وتضييق بحسب تصريحات الأمين العام لجماعة الإخوان المسلمين. وهو نفس منطق وزارة التضامن الاجتماعي التي كانت تعتبر أن إشهار الجمعيات والمنظمات في مصر هو اختصاص أصيل لأمن الدولة شأنه شأن كافة أنشطة الحياة في مصر. وهو الأمر الذي لا يخجل منه المسئولون الآن الذين يلوحون بلا خجل أن أنشطة المنظمات الأجنبية العاملة في مجال الديمقراطية في مصر كانت قد رفضت مرارا وتكرارا منذ سنوات بواسطة جهاز الأمن الوطني.

في الدول الديمقراطية لا حديث عن التصريح أو الترخيص لمنظمات المجتمع المدني ولكن هو حديث عن الإخطار وعن الرقابة اللاحقة التي لا تحصي الأنشطة والأنفاس على المنظمات والجمعيات والهيئات ولكن تتأكد من سلامة موقفها في نهاية العام المالي وعدم ممارستها لأنشطة محظورة. وبمناسبة الأنشطة المحظورة فإننا نتحدث هنا عن الأنشطة المحظورة عن المجتمعات الطبيعية مثل الإرهاب وتجارة المخدرات والسلاح والبشر وعسيل الأموال وما إلى ذلك وليس جرائم الفكر والتوعية السياسية ونشر الثقافة الديمقراطية التي لم تخجل الصحف القومية عندما تحدثت بصراحة أنها هي الأنشطة المضرة بالأمن القومي الذي تمارسها المنظمات الأجنبية في مصر. وبمناسبة الصحف أيضا فينبغي التنويه إلى أن المنظمات الأجنبية في مصر تواجه تهما فنية بحتة لها علاقة بمعضلة التراخيص في مصر ليس إلا. ولا إشارة من قريب أو من بعيد للأشياء التي يتحدث عنها الإعلام ليل نهار عن تصوير المنشآت العسكرية بالكاميرات الرقمية في عصر الأقمار الصناعية أو استخدام خرائط تقسيم مصر إلى ثلاثة أجزاء وفقا لتقسيمة المحافظات الانتخابية التي قسمتها اللجنة العليا للانتخابات في مصر والتي صرحت هي ذاتها لتلك المنظمات بمراقبة الانتخابات في مصر.

بالمناسبة فمفهوم السيدة فايزة أبو النجا عن المجتمع المدني الذي لا يهتم سوى بتقديم الخبز للمواطنين هو أمر مغلوط بشكل متعمد. ففي عام 1998 أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة التي كانت السيدة فايزة أبو النجا مبعوثة لديها إعلانا خاصا بالمدافعين عن حقوق الإنسان يختص بأمور أولئك الذين يأخذون على عاتقهم مهمة نشر وحماية حقوق الإنسان في بلدانهم وفي العالم يستهل مواده بأنه من حق كل شخص بمفرده وبالاشتراك مع غيره أن يدعو ويسعى إلى حماية وإعمال حقوق الانسان والحريات الاساسية على الصعيدين الوطني والدولي. ثم تقول مادته الخامسة أنه يكون لهم في سبيل ذلك حق الالتقاء أو التجمع سلمياً  وتشكيل منظمات أو جمعيات أو رابطات أو جماعات والانضمام إليها والاشتراك فيها وأيضا الاتصال بالمنظمات غير الحكومية أو بالمنظمات الحكومية الدولية. وبالمناسبة أيضا وعلى عكس ما يتعمد نشره وإثارته في وسائل الإعلام المختلفة فإن القانون المصري 84 ذاته وعلى عيوبه القمعية العديدة لا يحظر على  الجمعيات من الأنشطة السياسية إلا تلك التي يقتصر ممارستها على الأحزاب السياسية بنص القانون كالترشح للانتخابات أو دعم مرشحين سياسيين بعينهم أو تسيير او تمويل الحملات الانتخابية لمرشحين سياسيين بعينهم دون غيرهم.

عن فريدم هاوس شخصيا:

بعيدا عما يثار في الإعلام الموجه أو على مواقع الانترنت المعروفة التوجه، ببساطة فريدم هاوس منظمة أمريكية غير حكومية تأسست منذ ما يقرب من 70 عاما من أجل نشر الحرية في العالم كما يوحي من اسمها على عكس هوى التيار السائد الذي يدعو للعزلة في الولايات المتحدة حيث اهتمت بالوقوف في وجه الأيديولوجيات الشمولية الكبرى وكان على رأسها النازية والفاشية في ذلك الوقت وهو سر تسميتها “ببيت الحرية” في مضادة متعمدة “للبيت البني “الذي كان يمثل قيادة النازي في جنوب ألمانيا. تحولت بعد ذلك إلى الوقوف في وجه الديكاتورية الاستالينية في أعقاب الحرب العالمية الثانية وتطور عملها مع الوقت لتهتم بفكرة نشر الديمقراطية في العالم بمكوناتها المتفق عليها من تداول للسلطة وسيادة للقانون وشفافية ومحاسبية ورعاية لحقوق الإنسان وحقوق المجموعات المهمشة. يأتي ذلك عبر ثلاثة أنشطة رئيسية هي البحث والمدافعة والبرامج وبتمويل متعدد سواءا من آليات وصناديق الحكومة الامريكية المخصصة لذلك أو من خلال آليات وصناديق حكومات الدول الديمقراطية المختلفة من الاتحاد الأوروبي وحتى أستراليا، بالإضافة إلى جهات التمويل الخاصة المهتمة بهذا الأمر حول العالم أو من تبرعات الأفراد ووسائل جمع التمويل المتعارف عليها في أروقة المنظمات الغير هادفة للربح في العالم الغربي.

يرأس فريدم هاوس مجلس للأمناء يحتوى على 46 عضوا تتراوح خلفياتهم بين مرشحين سابقين للرئاسة وقادة للمنظمات النقابية وباحثين معروفين في مجال الديمقراطية ودبلوماسيين سابقين وإعلاميين وقانونيين وما إلى ذلك. يتغير هؤلاء الأعضاء من وقت لآخر، ومن بينهم من يدعم إسرائيل ومن بينهم من يدعم فلسطين كما هو الحال في أي مكان خارج منطقتنا العربية، من بينهم موظفين سابقين في دوائر الأمن القومي كما أن من بينهم موظفين سابقين في الجامعات أو مراكز الأبحاث الأخرى، منهم اليمينيين ومنهم اليساريين ومنهم على سبيل المثال داليا مجاهد مستشارة أوباما لشئون العالم الإسلامي. خارج مصر والمنطقة العربية يؤمن الناس بما يؤمنون ويختلفون بشكل راديكالي إلا أنهم يلتزمون بأهداف العمل الجماعي الذي يعملون به، وهذا العمل الجماعي في فريدم هاوس هو نشر الحرية ومعاداة القمع سواءا جاء ذلك القمع من أنظمة شمولية عربية أو جاء من إسرائيل التي خفض تقييم فريدم هاوس لها في حرية الصحافة من دولة حرة إلى دولة حرة جزئيا في أعقاب التغطية المنحازة للصحف الإسرائيلية لحرب غزة 2008، أو كسويسرا التي انتقدت فريدم هاوس قرار حظر المآذن بها واعتبرته تقييدا للحريات الدينية.

فريدم هاوس ليست جهة تمويل في حد ذاتها ولا تمول فريدم هاوس وكذلك المنظمات الغير حكومية الأخرى الأفراد في أي من دول العالم وذلك لاعتبارات عدة على رأسها المؤسسية والمحاسبية التي تشترط في المنظمات الشريكة أن تكون منظمات لها نظم إدارية ومحاسبية تسمح بمحاسبتها وبإنجاز الأنشطة المتفق عليها بين الطرفين والتي لا تجاوز فكرة تقوية المجتمعات الديمقراطية حول العالم.

أخيرا

عندما تزدهر الأشواك والأزهار تذبل

ويصير اللص ناطورا لبيت المال والمال على رايته الخضراء في الماخور يبذل

عندما تحتسب العفة جرما ويد الزاني والمأبون تقبل

ألف شكر للذي يقتلني فالموت أفضل

                                                        أحمد مطر

أنا لست أعلم هل ستذكر قصتي أم سوف يعلوها دجى النسيان

أم أنني سأكون في تاريخنا متآمرا أم هادم الأوثان

كل الذي أدريه أن تجرعي كأس المذلة ليس في إمكاني

أهوى الحياة كريمة لا قيد لا ذل لا استخفاف بالإنسان

                                                             هاشم الرفاعي

لم أدون منذ زمن طويل .. فالأحداث أضحت أسرع من أن تدون وأعقد من أن تحلل ..

كنت أتجول كعادتي بين صفحات الشبكات الاجتماعية لمهاجمي الثورة فقرأت مقطعا خبريا استرعى انتباهي، وجدت ذلك المقطع منتشرا على صفحات الفلول واللجان الالكترونية والمواطنيين الشرفاء وغيرهم، كذلك وجدته منتشرا في المنتديات الالكترونية وفي بعض المواقع الإخبارية كالوفد ومصراوي في صفحات مساهمات القراء .. يقول:

استضافت قناة السي أن أن الباحث العالمي جاك ديبون وتألمت جدا من كلامة  وبكيت بشدة كان يقول لم أرى شعب غبي وهمجي مثل الشعب المصري يحرقون تراثهم وتاريخهم  يحرقون المجمع العلمي العالمي ويرقصون بجانبة ويهينون جيشهم وهذا الجيش يحترمة قادة جيوش العالم لقوتة . الطريف جدآ أنهم متأكدون أنها مؤامرة على بلدهم لتقسيمة ورغم هذا من الممكن أن تتدفع لبعض الفتيات أو الشباب أو الأعلاميين ألف يورو وتتطلب منة فعل أي شياء لتدمير تاريخ هذا البلد الغني بتاريخة سيفعل دون أي تفكير برغم أن الذي لا يعرفة الكثيرين عن هذا البلد أن الأعلاميين المشاهير هناك يملكون ملايين الدولارات ولا يساعدون مثلآ أي مستشفى للفقراء وعند حدوث حرب في مصر هؤلاء المشاهير سيغادرون بلادهم .وهذه حقيقة أحب أن أعترف بها بأن كثيرآ من دول العالم ومنها دول عربية وأمريكا يحسدون هذه البلد لأنها دولة قديمة وعتيقة وتاريخها قديم بمعنى لهم أصول وجذور مثل دولة العراق. ومعظم الشعب المصري لا يهتمون يذهبون للجامعات والمدارس و يذهبون للعمل ويذهبون للسوق لشراء الطعام وكأن شياء لم يحدث ويتركون قلة من الغوغاء والمتخلفين واللصوص والبلطجية يهدمون ويسقطون دولتهم.

لا يوجد لدي الكثير لأقوله تعليقا على مضمون ذلك الخبر المحزن غير أن جاك ديبون هو اسم فرقة روك فرنسية يمكنكم الاستمتاع بموسيقاها عبر: http://www.jack-dupon-rock-progressif.net/

والله الموفق والمستعان

في يوم التدوين من أجل استقلال القضاء دعونا لا تخدعنا الألقاب، فليس كل من يحمل لقب مستشار أو قاض هو شخص يستحق الاحترام والعبرة دائما بالعدل والنزاهة التي تخوله لحمل ذلك اللقب. هي حقيقة لا اختلاف عليها وبرهاني فيها أن لدينا قضاة من عينة عبدالسلام جمعة ولدينا مستشارين من عينة مرتضى منصور. وبفدر ما هو مدهشا بالنسبة لي أن يحمل عبدالسلام جمعة لقب قاض ومرتضى منصور لقب مستشار، يدهشني أيضا أن يتحدث أحمد الزند وعزت عجوة الآن عن استقلال القضاء وهم من أتى بهم نظام مبارك إلى نوادي القضاة في القاهرة والأسكندرية خلفا للمستشارين الجليلين زكريا عبد العزيز ومحمود الخضيري كي يتحاشى تكرار صعود موجة استقلال القضاء مرة أخرى بعد أن تجاوزها بالكاد في 2006 لينجح بعدها في إخضاع رؤساء كافة المؤسسات التي قد يأتيه منها خطر المناداة بالاستقلال – وأعني هنا وزارة العدل ومجلس القضاء الأعلى ونادي القضاة. يدهشني أيضا أن يعتبر المستشار الزند الآن أن نادي القضاة هو المختص بتعديل قانون السلطة القضائية وليس مجلس القضاء الأعلى في حين أنه كان يدافع عن عكس ذلك فيما قبل عندما كان نادي القضاة هو رأس الحربة في معركة الاستقلال وكان المستشار الزند يعتبر أن نادي القضاة لا يختص بتعديل قانون السلطة القضائية.

كانت الخطة في الأسبوع الماضي تعتمد على محاولة تحجيم قضية الاستقلال داخل أروقة القضاء وبعيدا عن الرأي العام بل ومحاولة تصديرها على أنها قضية فئوية لا يختص بها سوى القضاة، وقفنا أمام ذلك وتصاعد الجدل حول القضية فأفسد تلك الحيلة فلجأ الزند إلى فكرة أخرى وهي الحديث عن اختصاص نادي القضاء بتعديل القانون وعدم موافقته على مشروع اللجنة التي يرأسها المستشار أحمد مكي بتعديل من المستشار حسام الغرياني وبتأييد من غالبية القضاة وفي الوسط منهم تيار الاستقلال. وبناءا عليه قام بالدعوة لجمعية عمومية يوم الجمعة 9 سبتمبر أتخيل أن الغرض منها هو واحد من اثنين: الأول هو إظهار التعديلات وكأنها أمر خلافي بين القضاة وإدخال الأمر ككل في حلقات من التسويف كفيلة بتأجيل إصدار القانون الجديد لما بعد الانتخابات البرلمانية على الأقل بعكس ما يحاول قضاة الاستقلال فعله بإخراج القانون إلى النور مع بداية أكتوبر القادم، هذا بالطبع إن لم تكن خطط الزند وعجوة تهدف إلى تأجيل تعديل القانون إلى الأبد. أما الهدف الثاني هو الأسلوب الذي تتبعه النقابات المشهورة في الأدبيات بالنقابات الصفراء وهي تلك النقابات العمالية التي يشكلها أصحاب المصالح أو رجال الأعمال أو السلطة ذاتها من أجل تقديم مطالب ذات أسقف منخفضة كثيرا عن التي يقدمها أصحاب المصلحة الحقيقيين من العمال مانحة الفرصة للسلطة أو صاحب العمل لتبني المطالب ذات السقف المنخفض وإجهاض المطالب الأصلية تحت غطاء دعائي يروج لفكرة أن المطالب قد تحققت. تستخدم أيضا النقابات الصفراء لتكسير الإضرابات والاحتجاجات ولتكسير الروابط الحقيقة بين العمال وأصحاب المصالح الحقيقية في العمل النقابي كي لا تتيح لهم فرصة العمل مجتمعين على دفع مصالحهم أمام مصالح صاحب العمل وهذا تماما هو الدور الذي يحاول القيام به الآن السادة رؤساء نوادي قضاة القاهرة والأسكندرية.

حضرات السادة المستشارين معارضي استقلال القضاء، لسوء حظكم أننا ندرك تماما مدى أهمية تلك المعركة لنا ولثورتنا ولبلادنا، ولسوء حظكم أننا نؤمن تماما بما نفعله لدرجة الاستعداد للمعاناة أو الموت من أجله، ولسوء حظكم أن مصر الآن وبرغم كل شئ لم تعد كما كانت من قبل. موعدنا 9 سبتمبر 2011 السادسة مساءا لتلتقوا وجها لوجه لأول مرة بالجيل الذي أسقط صنما كنتم تعبدونه لثلاثة عقود. نراكم هناك :)

Posted by: basem | 23/08/2011

12000

هذه التدوينة مساهمة في يوم التدوين الثاني ضد الحكم العسكري والمحاكمات العسكرية

 

 

Older Posts »

التصنيفات

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 13,589 other followers