21_6

مرة أخرى .. “التاريخ لا يعيد نفسه .. إنه يتناغم” – مارك توين

كسابقتها التي تحدثت فيها عن فرنسا بعد الثورة وصعود نابليون .. هذه التدوينة أيضا طويلة للغاية .. وهي أيضا ليست عملا أدبيا من محض الخيال ولكنها أحداث تاريخية وقعت كما هي وبهذا الشكل في فرنسا في أعقاب الثورة الفرنسية وتحديدا في أعقاب صعود نابليون إلى الحكم .. هي أيضا قد نقلت أجزاءها نصا دون إضافات أو مبالغات -فقط بعد حذف التفاصيل وربط أجزاء السياق العام ببعضها- من الجزء الأخير لموسوعة “قصة الحضارة” لول ديورانت والمسمى “عصر نابليون”:

بعد نجاح انقلاب الثامن عشر من بروميير، اجتمع القناصل المؤقتون في قصر لكسومبرج لإعادة بناء فرنسا من جديد. كان هؤلاء القناصل المؤقتون هم نابليون وسييزودوكو. وقد واجه المنتصرون في هذا الانقلاب أمة نهشت الفوضى في بنيتها الاقتصادية والسياسية والدينية والأخلاقية. وكان الفلاحون يخشون إذا ما عادت أسرة البوربون المالكة أن تلغى سندات الملكية التي بحوزتهم، وكان التجار والحرفيون يرون أن رفاهيتهم مهددة بسبب الموانئ المحاصرة، والطرق التي اعتراها الإهمال وأعمال اللصوصية، وتردد أصحاب الأموال في استثمار أموالهم بضمان الحكومة التي سبق أن اجتاحتها الإنقلابات عدة مرات، والآن وقد أصبحت الحاجة ملحة لقوة القانون وتنفيذ المشروعات العامة، وتقديم الغوث للفقراء، لم يكن تحت تصرف الخزانة ما يكفي.

اقترح نابليون أن يكون سييز هو المسؤول عن صياغة الدستور الجديد، وعكف هذا المنظر القديم على دراسته، وترك نابليون مع دوكواللطيف المسالم لإصدار المراسيم لضمان حسن سير الإدارة، وتحسين أداء الخزانة بتطوير قدرتها على الوفاء بديونها، وتهدئة النزاعات واكتساب ثقة الشعب. وكان أول ما قام به نابليون أنه ارتدى زياً مدنياً متواضعاً محتشماً وطرح لباسه العسكري. لقد كان عليه أن يكون هو الفتى الأول فوق خشبة مسرح الأحداث. كان طموحه في بواكير فترة حكمه هذه هو طمأنة فرنسا وتقويتها. لقد كان نابليون في هذا الوقت ابن الثورة الذي هو إفراز من إفرازاتها، وحاميها، والعامل على الاحتفاظ بما حققته من مكاسب اقتصادية، لكنه أيضاً كان واضحاً في إبداء رغبته في إنهاء الثورة.

وقد قصد الدستور الجديد لحماية الدولة من الجهل المنتشر من ناحية ومن الحكم الاستبدادي من ناحية أخرى. وقد تحقق نصف نجاح في هذا السبيل. وقام نابليون بمراجعة سييزفي بعض أفكاره التي أوردها في الدستور الجديد، لكنه بشكل عام قبل معظمها لأنه -أي نابليون- كان بدوره غير ميال للديمقراطية. ولم يغير رأيه الذي مؤداه أن الشعب الفرنسي غير مؤهل لاتخاذ قرارات حكيمة بشأن انتخاب ممثليه أو بشأن الأمور السياسية. وقالت صحيفة المونيتور وهي اللسان الناطق بالدفاع عن نابليون أنه لم يدمر الحرية، وإنما كان هذا أمراً قائماً بالفعل بسبب الحاجة إلى حكومة مركزية لأغراض الحرب، وبسبب تلاعب اليعاقبة بالانتخابات، ودكتاتورية الجماهير المشاغبة، وتوالي الانقلابات في الأعوام التي تولت فيها حكومة المديرين الحكم، إن الحرية التي وأدها نابليون كانت هي حرية الجماهير بعدم الالتزام بالقانون، وحريتهم في ارتكاب الجرائم والسرقة والقتل. لقد آن الأوان لفرض شيء من النظام لإعادة ضبط الأمور، فهذا أمر لازم لتقوم الحرية على أساس.

أما الفلاحون فلم يكونوا بحاجة لمثل هذه الحجج ليؤيدوا الدستور الجديد، فهم يمتلكون الأراضي وقد أيدوا سراً كل حكومة تقمع اليعاقبة. وهنا وجدنا البروليتاريا في المدن يتفقون مع الفلاحين رغم المصالح الاقتصادية المتعارضة. أما ساكنو الشقق وعمال المصانع والكتبة في المحلات والبائعون الجوالون الذين هم ليسوا نبلاء ولا إكليروس، وكانوا يكافحون طلباً للخبز والسلطة، فقد وجدناهم يفقدون إيمانهم بالثورة التي حلقت بهم في عنان السماء ثم هوت بهم من حالق، تاركة إياهم وقد تمزقت آمالهم، ولم يبق هناك سحر يثيرهم سوى بطل الحرب وهازم إيطاليا، فهو في رأيهم لن يكون أسوأ من السياسيين في حكومة الإدارة. أما البورجوازيون من رجال البنوك والتجار ورجال الأعمال فكيف يرفضون رجلا احترم الملكية الخاصة احتراما كاملا وأقر مبدأ الحرية الاقتصادية؟ إنهم بنابليون يربحون الثورة ويرثون فرنسا.

وعندما أصبح نابليون واثقاً من تأييد الغالبية العظمى له طرح الدستور الجديد للاستفتاء العام في ديسمبر 1799 ووافقت الغالبية العظمى على الدستور.ولما أدرك نابليون كثرة المؤيدين له انتقل مع أسرته ومعاونيه من لكسومبرج المزدحمة إلى قصر التوليري الرحب وكان ذلك، وكان انتقاله مصحوباً بموكب فخم يضم ثلاثة آلاف تشكيل من الجنود، وجنرالات يركبون خيولاً، والوزراء في العربات وأعضاء مجلس الدولة في مركبات كبيرة، أما القنصل الأول نابليون فكان في مركبة فخمة تجرها ستة خيول بيض. لقد كان هذا الموكب أول نموذج للعروض التي كان نابليون يأمل عن طريقها في التأثير في جماهير باريس. اختار نابليون غرفة واسعة لا يزينها سوى الكتب ليعمل به،وعندما أطلعه مساعدوه على السرير الملكي وغرفة النوم الملكية رفض استخدامها مفضلاً النوم بشكل معتاد مع جوزفين، إلا أنه على أية حال قال لزوجته بطريقة لا تخلو من فخر تعالي يا صغيرتي ونامي في سرير سادتك.

لقد كان نابليون يحلم بينه وبين نفسه بالحكم المطلق الخالص بل وأن يكون مؤسس أسرة حاكمة تكتسب شرعيتها بمرور الزمن. لقد شعر أن الأعمال التي يتطلع لإنجازها تتطلب استقرارا واستمرارية كالتي يتسم بهما الحكم المطلق. لم يكن قيصر ولا أغسطس ولا شرلمان يؤمنان بالديمقراطية ولم يكونا ليخضعا أحكامهما المصقولة الحكيمة وسياساتهما بعيدة النظر وخططهما المستقبلية لنقد ممثلي الجماهير الساذجة. ولقد شهد نابليون الديمقراطية الباريسية في سنة 1792 وشعر أنه لا يستطيع أن يقرر باسم الجماهير الملتهبة عواطفها. لقد آن الأوان لطي صفحة الثورة وتعزيز مكاسبها الأساسية وإنهاء الفوضى والقلق والحرب بين الطبقات. وبدأ أشخاص معينون مرتبطون على نحو ما بالأمور السياسية يؤكدون أن فرنسا تشعر بضرورة حق السلطة في الحكم المطلق. ورأى السياسيون من الحاشية والمؤيدون للثورة أن استتباب الهدوء في البلاد يعتمد على حياة فرد واحد، لقد مالت آراء الجميع شيئاً فشياً إلى الملكية، واتفق نابليون معهم علىأن الفرنسيين يحبون الملكية وكل زخارفها، وبدا من الطبيعي أن يصبح نابليون إمبراطوراً.

وتحرك أعضاء مجلس الدولة ومجلس الشيوخ ومجلس الدفاع عن حقوق الشعب وغيرهم في الحكومة بكياسة لتحقيق رغبات نابليون لأسباب بسيطة؛ فموافقتهم لن تؤدي إلا إلى التقليل من حريتهم في المناقشة، تلك الحرية التي كانت قد قيدت بالفعل بالإضافة الى أن معارضتهم قد تنهي أدوارهم السياسية، كما أن الموافقة في وقت باكر قد تحقق لهم مكافآت سخية. وفي 2 مايو 1804 أقرت الهيئات التشريعية ثلاثة اقتراحات. 1- سيتم تعيين نابليون بونابرت إمبراطوراً للجمهورية الفرنسية، 2- لقب إمبراطور والسلطات الإمبراطورية ستكون وراثية في أسرته، 3- الحرص على حماية مبادئ المساواة والحرية وحقوق الشعب ككل، وفي 18 مايو أعلن مجلس الشيوخ نابليون إمبراطوراً، وفي 22 مايو أقرت نتيجة الاستفتاء بأغلبية ساحقة لصالح نابليون.

وراح نابليون يسير على درب الأباطرة حتى من قبل الاستفتاء، إذ كان قد بدأ منذ مايو سنة 1804 يوقع خطاباته ووثائقه باسمه الأول فقط، وسرعان ما أصبح يكتب الحرف الأول من اسمه ببساطة هكذا، ومنذ ظهر هذا الحرف الفخور على النصب التذكارية والمباني والعربات، لم يعد نابليون يتحدث عن الفرنسيين كمواطنين وإنما راح يتحدث عنهم ولهم بقوله رعاياي. وراح يتوقع من أفراد حاشيته مزيداً من الإذعان والاحترام، ومن وزرائه مزيداً من التبعية وسلاسة القياد.

بقي شيء واحد ينقص هذه الجلالة: إنها لم تحظ بالاعتراف ولا الإقرار الديني من أعلى ممثل لعقيدة الأمة الدينية على النحو الذي حظيت به التيجان الأخرى. لقد كان هناك شيء لازال باقيا من نظرية الحق الإلهي الوسيطة للملوك، فبالنسبة لشعب تسود فيه العقيدة الكاثوليكية، فإن قيام البابا بتكريس الحاكم ومسحه بالزيت يعني أن هذا الحاكم قد أصبح بالفعل مختارا من الرب. أي فكرة تساعد على تسهيل مهمة الحاكم أكثر من هذه؟ ثم أليس هذا المسح بالزيت سيضع نابليون في مصاف الحكام الأوروبيين حتى ولو كان لهم جذور عميقة في السلطة تمتد من الماضي حقبا؟ لهذا فقد أوكل إلى دبلوماسييه مهمة حث البابا بيوس السابع للقيام بخطوة غير مسبوقة لباريس بتتويج ابن الثورة والتنوير باعتبار هذا نصرا للكنيسة الكاثوليكية على الثورة والتنوير. ثم أَلَن يكون مفيداً لقداسة البابا أن يستحوذ على أفضل القادة الحربيين في أوروبا وأكثرهم ألمعية ليكون مدافعاً عن المؤمنين؟ وعارض بعض الكاردينالات هذا العرض باعتباره تدنيساً للمقدسات، لكن بعض الايطاليين الماكرين اعتقدوا أن هذا سيكون نصراً كاملاً ليس للدين فحسب وإنما لإيطاليا أيضاً حيث أنها ستضع أسرة حاكمة إيطالية على عرش فرنسا لتحكم البرابرة.

وراح نابليون يستعد لهذا النصر المشترك كما لو كان يستعد لحرب كبرى، فكلف من يقومون بدراسة مراسم الحكم القديم وتعديلها وإضفاء مزيد من التفاصيل والمبالغات عليها. وتم التخطيط للمواكب والمسيرات كما لو أن المخطط لها مدير فرقة راقصة وتم تصميم أزياء جديدة لسيدات الحاشية وتجمع أفضل المصميمن للقبعــات النسائية حــول جوزفين وأمــر نابليون بإحضــار المجوهــرات مـن الخزانة لهـا بالإضافة لما لديها من مجوهرات، وقام جاك لويس ديفيد الذي كان عليه أن يخلِّد الحدث في أعظم لوحات ذلك الوقت بتدريب جوزفين وحاشيتها على كل حركة وكل وضع، وتم الإغداق على الشعراء للاحتفاء بالحدث، وصدرت التعليمات لدار الأوبرا بإعداد رقصات الباليه، وجرت الترتيبات لحماية الشوارع الكبرى بالجنود، ودعى الأمراء وذوو المقام الرفيع من الدول الأخرى فلبوا الدعوة، ووصلت الجموع من المدينة والأحياء والمحافظات ومـن الخـارج وسـاوموا للحصـول علــى أفضـل الأماكـن فـي الكاتـدرائية أو في الطرقات، وراح أصحـاب المحال يأملون فـي الحصول على ربح وفير، وقد كان رضي الناس عن تلك الأعمال والمشاهد رضاء مفعماً بالسعادة ربما بطريقة لم تحدث منذ مهرجانات روما أيام الإمبراطورية.

وفي بواكير يوم بارد (الثاني من ديسمبر) غادر اثنا عشر موكبا من نقاط مختلفة لتتجمع في نوتردام، مفوَضون من مدن فرنسا ومن الجيش والبحرية والجمعيات التشريعية والهيئات القضائية والإدارات وجوقة الشرف والمعهد العلمي وغرف التجارة. وصعد البابا إلى المذبح وركع نابليون وجوزفين على ركبهم أمامه، فقام البابا بدهنهما بالزيت وباركهما. وانتهت المراسم في الساعة الثالثة، وعادت المواكب من حيث أتت وسط مظاهر الحفاوة والفرحة بينما الثلوج تتساقط. وواصل نابليون مشروعاته الإمبراطورية واثقا من أنه الآن أصبح حاكما مقدسا كأي حاكم أوروبي آخر وأصبح يمكنه أن يواجه وهو مطمئن القوى التى ستتحد حالاً لتدميره.

أخيرا

لأن التاريخ لا يعيد نفسه بالتمام ولكنه يتناغم كما قد أشرنا، فلم تكن الملكيات الأوروبية المعادية للثورة الفرنسية حليفا لنابليون وداعما سخيا له، بل على العكس شكلت تلك الملكيات ألد وأخطر أعدائه، وسواء كان ذلك الأمر هو سبب دخول نابليون حروبه الشهيرة التي اجتاحت أوروبا وجلبت لها الخراب والدمار أم كان السبب في ذلك هو أحلام العظمة والتوسع لدى نابليون وسلطته المطلقة على فرنسا وتغييبه للديمقراطية فيها، فإن المحصلة النهائية كانت أن انتهت تلك الحروب بهزيمته ونفيه إلى جزيرة إلبا ثم إلى جزيرة سانت هيلانه.

ديباجة الدستور البولندي – 1997

نحن الأمة البولندية – كل مواطني الجمهورية – سواءا أولئك الذين يؤمنون بالله كمصدر للحق والعدل والخير والجمال، أو أولئك الذين لا يشاركونهم نفس الاعتقاد ولكن يحترمون تلك القيم العالمية متى نبعت من مصادر أخرى- متساوون في الحقوق والالتزامات تجاه الخير العام. مستدعين العادات الفضلى لجمهوريتنا الأولى والثانية، ملتزمين بأن نورث لأجيالنا القادمة كل ما هو ذو قيمة من تراثنا الذي يتجاوز الألف عام، مرتبطين بأن نتواصل مع إخوتنا في الوطن المنتشرين في أنحاء العالم، واعين بحاجتنا للتعاون مع كافة الدول من أجل خير العائلة الإنسانية، منتبهين للتجارب المريرة في الأوقات التي كانت تنتهك فيها الحريات الأساسية وحقوق الإنسان في وطننا، راغبين في أن نضمن الحقوق لكل المواطنين في كل الأوقات، وأن نؤكد على كفاءة عمل المؤسسات العامة، مدركين لمسئولياتنا أمام الله وأمام ضمائرنا، نكتب دستور جمهورية بولندا الذي هو القانون الأساسي للدولة على أساس من احترام الحرية والعدل والتعاون بين السلطات العامة والحوار الاجتماعي ومبدأ تقويض السلطة من أجل تقوية سلطات المواطنين ومجتمعاتهم.

ديباجة الدستور الياباني – 1946

نحن الشعب الياباني، من خلال ممثليه المنتخبين بحسب الأصول في المجلس التشريعي القومي، وقد صممنا على أن نكفل لأنفسنا ولنسلنا ثمار التعاون السلمي مع جميع الأمم، وبركات الحرية في مختلف بقاع هذه الأرض، ولقد عقدنا العزم على ألا نسمح أبدا مرة أخرى بأن نتعرض لويلات الحروب من خلال تصرفات الحكومة، نعلن أن السلطة السيادية هي ملك للشعب، والحكم أمانة مقدسة لدى الشعب، تستمد سلطته من الشعب، ويمارس ممثلو الشعب صلاحياته، ويتمتع الشعب بثماره، وهذا مبدأ عام من مبادئ البشرية يقوم هذا الدستور على أساسه، نرفض ونلغي جميع الدساتير والقوانين والقرارات التي تتعارض معه. نحن الشعب الياباني، نرغب في حلول السلام في جميع الأوقات، نعي المثل العليا التي تحكم العلاقة الإنسانية، ننضع ثقتنا في عدالة اشعوب العالم المحبة للسلام، نرغب في أن نحتل مكانة مشرفة في مجتمع دولي يسعى إلى صون السلام وإزالة الطغيان والعبودية والقمع وعدم التسامح من على سطح الأرض، نقر بأن جميع شعوب العالم لها الحق في أن تحيا في سلام وان تكون متحررة من الخوف والفاقة، نؤمن بأن القوانين الأخلاقية للإنسانية هي قوانين عامة تنطبق على الجميع، نحن الشعب الياباني، نتعهد بشرفنا القومي بأن نحقق هذه المثل العليا بكل ما أتيح لنا من موارد.

ديباجة دستور جنوب أفريقيا – 1997

نحن شعب جنوب أفريقيا، نعترف بالظلم الذي كان في ماضينا، نكرم أولئك الذين عانوا من أجل العدل والحرية على أرضنا، نحترم أولئك الذين عملوا لبناء وتطوير بلدنا، نؤمن بأن جنوب أفريقيا ملك لكل من يعيشون فيها، متحدون في تنوعنا، وعلى ذلك، ومن خلال ممثلينا المنتخبين انتخابا حرا نقر ذلك الدستور كقانون أعلى للجمهورية من أجل مداواة انقسامات الماضي وتأسيس مجتمع مبني على القيم الديمقراطية والعدل الاجتماعي والحقوق الأساسية للإنسان، من أجل إرساء أسس المجتمع الديمقراطي المنفتح، يستند الحكم فيه إلى إرادة الشعب ويتمتع فيه كل مواطن بحماية القانون على قدم المساواة، ومن أجل تحسين نوعية حياة كافة المواطنين وإطلاق إمكانات كل شخص، ومن أجل بناء جنوب أفريقيا الموحدة الديمقراطية القادرة على أن تحتل مكانتها الصحيحة كدولة ذات سيادة في عائلة الأمم. حمى الله شعبنا.

ديباجة دستور البرازيل – 1988

نحن ممثلي الشعب البرازيلي المجتمعين في الجمعية التأسيسية الوطنية لإنشاء دولة ديمقراطية، لغرض كفالة ممارسة الحقوق الاجتماعية والفردية والحرية والأمن والرفاه والتنمية والمساواة والعدل باعتبارها قيما عليا لمجتمع أخوي وتعددي وغير متحيز، قائم على الوئام الاجتماعي وملتزم في النظامين الداخلي والدولي بالتسوية السلمية للمنازعات، نصدر تحت حماية الرب دستور جمهورية البرازيل الاتحادية هذا.

ديباجة الدستور الأمريكي – 1787

نحن شعب الولايات المتحدة، من أجل تكوين اتحاد أكثر كمالا، وإرساء العدل، وكفالة الطمأنينة الداخلية، وتوفير الدفاع المشترك، وتعزيز الرفاه العام، وحماية الحرية لنا وللأجيال القادمة، نسن ونصدر هذا الدستور للولايات المتحدة الأمريكية.

ديباجة الدستور الألماني – 1949

مدركين لمسئوليتهم أمام الله والإنسان، وبدافع من الرغبة في تعزيز السلام العالمي كشريك في أوروبا موحدة، اعتمد الشعب الألماني -ممارسة منه لسلطته التأسيسية- هذا القانون الأساسي. حقق الألمان – في بادن فورتمبرغ وبافاريا وبرلين وبراندنبورج وبريمن وهامبورج وهيسه وساكسونيا السفلى وميكلينبورج بوميرانيا الغربية وشمال الراين وستفاليا والراين بالاتينات وسارلاند وساكسونيا وساكسونيا أنهالت وشليسفيج هولستاين وثورينجيا – الوحدة وحرية ألمانيا في تقرير المصير. وبناء على ذلك ينطبق ذلك القانون الأساسي على كامل الشعب الألماني.

ديباجة دستور فرنسا 1946 المشار إليها في دستور فرنسا 1958

غداة الانتصار الذي حققته الشعوب الحرة على الأنظمة التي سعت إلى استعباد وإهانة الإنسانية، يعلن شعب فرنسا من جديد أن كل إنسان دون أي تمييز بسبب العرق أو الديانة أو العقيدة يملك حقوقا مقدسة وثابتة، ويؤكد رسميا على حقوق وحريات الإنسان والمواطن المنصوص عليها في إعلان الحقوق الصادر في 1789 والمبادئ الأساسية المعترف بها في قوانين الجمهورية. ويعلن أيضا باعتبار أن ذلك هو أمر ضروري لعصرنا الحالي المبادئ السياسية والاقتصادية والاجتماعية المذكورة أدناه ….

تلخيص ديباجة مشروع دستور مصر 2013

هذا دستورنا، مصر هبة النيل للمصريين، ومصر هبة المصريين للإنسانية، مصر بعبقرية موقعها وتاريخها رأس إفريقيا المطل على المتوسط ومصب لأعظم أنهارها “النيل”، ومصر العربية بعبقرية موقعها وتاريخها قلب العالم كله فهي ملتقى حضاراته وثقافاته ومفترق طرق مواصلاته البحرية واتصالاته ….. الخ الخ الخ …. لنا ولأجيالنا القادمة السيادة في وطن سيد …. الخ الخ الخ … نحن الشعب المصري السيد في الوطن السيد … الخ الخ الخ … هذا دستورنا.  (سيد حجاب).

تعقيب

ليه يا زمان ما سبتناش أبرياء
وواخدنا ليه  في طريق ما منوش رجوع
أقسى همومنا يفجر السخرية
وأصفى ضحكة تتوه في بحر الدموع

(سيد حجاب)

“التاريخ لا يعيد نفسه .. إنه يتناغم” – مارك توين

قبل أن نبدأ .. هذه التدوينة طويلة للغاية .. ولكنها ممتعة بشكل صادم .. على الأخص نهاياتها .. هذه التدوينة ليست عملا أدبيا من محض الخيال ولكنها أحداث تاريخية وقعت كما هي وبهذا الشكل في فرنسا في أعقاب الثورة الفرنسية ونقلت أجزاءها نصا دون إضافات أو مبالغات -فقط بعد حذف التفاصيل وربط أجزاء السياق العام ببعضها- من الجزء الأخير لموسوعة “قصة الحضارة” لوول ديورانت والمسمى “عصر نابليون”:

 في أعقاب الثورة الفرنسية قرر المؤتمر الوطني -حتى لا يترك لنفسه طريقا للتراجع- محاكمة لويس السادس عشر بتهمة الخيانة. وبدأت محاكمة الملك في 11 ديسمبر سنة 1792 أمام أعضاء المؤتمر الوطني جميعا، وفي 21 يناير حملت عربة يحيط بها حرس مسلح لويس السادس عشر إلى ميدان الثورة، وقبل أن تهوي عليه المقصلة حاول أن يتحدث إلى الجموع: “أيها الفرنسيون، إنني أموت بريئا، إنني أقول ذلك وأنا على سقالة المقصلة وسأمثل قريبا أمام الرب إنني أعذر أعدائي، وآمل أن فرنسا … ” لكن رئيس الحرس أشار للجنود وقال: “فلتدق الطبول” .. فدقت الطبول وراحت الجماهير تنظر في صمت كئيب والنصل الثقيل يسقط.

 كان الإرهاب هو السمة العامة لمرحلة ما بعد الثورة الفرنسية وكانت أسبابه متمثلة في الأخطار الخارجية والفوضى الداخلية مما أدى إلى خوف عام وشغب واسع. سادت الأحكام العرفية وبدت الثورة وقد انفرط عقدها وراح الأرستقراطيون في الداخل والأرستقراطيون المهاجرون يخططون بثقة لإعادة الوضع كما كان قبل الثورة، وكانت الحرب الطبقية مستعرة بين الأغنياء والفقراء. وكان الاقتصاد نفسه ساحة حرب، فراح ما يرد لمخازن المدن من الأسواق أو الحقول يتضاءل شيئا فشيئا ولم يعد يكفي سوى الأقلية التي تقف صفوفاً يوميا أمام أبواب هذه المخازن• واجتاح الخوف من المجاعة باريس والمدن الفرنسية الأخرى.

 لقد أرهقت الثورة فرنسا فبدأت حالة من التسامح مع المشاعر الملكية التي تظهر في بعض الصحف والصالونات والأسر الثرية، فلا يستطيع سوى ملك شرعي يتولى الملك بالوراثة وعلى وفق التقاليد المتبعة أن يعيد النظام والأمن لشعب خائف وتعس بعد سنوات من التمزق السياسي والاقتصادي والانقسام الديني والحرب والمستمرة. وعندما سرى خبر مبتسر عن حل المؤتمر الوطني قوبل ذلك بالفرح حتى إن بعض الباريسيين رقصوا في الشوارع. لكن المؤتمر الوطني استمات للاستفادة مما بقي له من وقت، ففي يونيو سنة 1795 بدأ في وضع دستور جديد وضم هذا الدستور بعض الأفكار الليبرالية لكن في حدود آمنة وكان المصوتون طيعين ومتجاوبين وصوتوا له. تكونت الحكومة الجديدة واتخذ مجلس الإدارة له مقرا قصر لوكسمبورج وسرعان ما سيطر على الجيش والأسطول والسياسة الخارجية. وكان أول مجلس إدارة تم اختياره مكونا من خمسة أشخاص منهم بول بارا وآخرين. وكانوا جميعا ممن وافقوا على قتل الملك وعملوا لذلك، ولم يكونوا معروفين بالاستقامة الشديدة ولم يكونوا فوق الشبهات.

 في وقت سابق كان نابليون بونابارت قد قضى خمس سنوات في الأكاديمية العسكرية في برين ثم أصبح من بين الطلبة الذين تم اختيارهم ليحضروا برامج دراسية متقدمة في مدرسة باريس العسكرية، وفي أكتوبر سنة 1785 تم تعيينه في فالنس حيث كسب احترام زملائه الضباط بتقدمه السريع في الفنون العسكرية وبسرعة استيعابه وما لديه من خصوبة فكرية تتمثل في اقتراحاته العملية واستعداده للمشاركة في الأعمال التي تتطلب جهدا بدنياً. وعندما قامت الثورة الفرنسية رحب بها واستمر في دعم الثورة مع اتخاذه الحذر والاحتياط بشكل متزايد. وفي واحدة من نزوات التاريخ حيث تفتح الأبواب التي لا مناص من فتحها وعندما احتاجت وزارة الحرب قائدا جسورا مجربا لقيادة الجيش الفرنسي المتوجه إلى إيطاليا زكى بول بارا تعيين نابليون بونابرت قائدا للجيش.

 لم تكن باريس التي وصلها بونابارت بعد الحرب في إيطاليا هي باريس نفسها التي ألفها، ففي البيوت والصالونات والشوارع بل وفي تنظيمات الأحياء التي كان العوام يسيطرون عليها راح الرجال والنساء يتحسرون على أيام الرجل الطيب لويس السادس عشر وراحوا يلتمسون الأعذار لما وقع فيه البوربون من أخطاء وراحوا يتساءلون أيمكن لأي حكومة أخرى غير الملكية أن تعيد النظام والأمان والرخاء والسلام وتخرج فرنسا من حالة الفوضى والجريمة التي دمرتها. وشعر أعضاء حكومة الإدارة بول بارا والآخرون بالخطر على مناصبهم وحياتهم بسبب الحركة الملكية، فقرروا المخاطرة بكل شيء والقيام بانقلاب يمكن أن يخلصهم من الزعماء الملكيين وراحوا يطلبون الدعم الجماهيري من اليعاقبة الراديكاليين -الذين اختفوا عن الساحة والمرارة في حلوقهم- ضد حركة المحافظين المطالبين بالعودة إلى الماضي الملكي، كما طلبوا الدعم من نابليون بونابارت، وكان نابليون راغبا في مساعدتهم، فإحياء مطالبات أسرة البوربون بالعرش قد تحبط خططه.

 عندما وصل نابليون بونابارت إلى باريس بعد الحرب بدت الطبقات كلها متفقة على كفاءة هذا الشاب، وقد نحى نابليون جانبا تطلعه إلى القيادة الصارمة وراح يظهر بمظهر التواضع والاعتدال، وراح يعمل على إرضاء الجميع؛ إرضاء المحافظين بتمجيد النظام، وإرضاء اليعاقبة بإظهار دوره في نقل إيطاليا إلى الحرية، وإرضاء المثقفين بكتاباته وأحاديثه. قام أصحاب المقام الرفيع في الحكومة الوطنية بتكريمه، واستقبلت حكومة الإدارة الجنرال بونابرت استقبالا مهيبا، وتجمع الناس لمشاهدته فوق كل سطح، ووقف أعضاء حكومة الإدارة الخمسة وقد ارتدوا ملابس رومانية ووصل نابليون وهو يلبس ملابس بسيطة جدا ويتبعه مساعدوه، وكانوا جميعا أطول منه لكنهم كانوا يحترمونه جدا وينحنون له، وشملت النخبة المتجمعة هناك الجنرال المنتصر بالتحية والتصفيق. لقد كان نابليون هو أمل الجميع من جمهوريين وملكيين، فالجميع رأوا الحاضر والمستقبل في قبضته.

 يبدو أن أعضاء حكومة الإدارة بزعامة بول بارا و روبل و لارفيلييه قد اتخذوا من الشعار الذي تنسبه الروايات إلى البابا ليو العاشر القائل بأنه “ما دام الرب قد أعطانا هذا المنصب فدعونا نستمتع به” شعارا لهم. عرضت إنجلترا عليهم السلام فقالوا لها إن ذلك أمر يمكن ترتيبه إذا دفعت مبلغا من المال وكذلك الحال مع البرتغال. وتجنبوا انهيارا ماليا بجمع الضرائب التقليدية بجدية أكثر، واستردوا الضرائب التي كانت في حكم الميتة كضريبة الانتقال، وفرضوا ضرائب جديدة كتلك التي فرضوها على الرخص، والأختام والدمغات وطوابع البريد والنوافذ والأبواب، وقامت الحكومة بفرض الرقابة على الصحافة والمسارح وتزوير الانتخابات والقبض على المعارضين. وتم إبعاد الراهبات عن مهمة تعليم النشء، وعهد به إلى آخرين.

إن فرنسا أصبحت الآن في حالة فوضى وفزع شديدة. أثار مئات اللصوص وقطاع الطرق الذعر في قلوب التجار والمسافرين سواء في شوارع المدن أم على الطرق الزراعية وفاقت قوة المجرمين رجال الشرطة، ففتحوا السجون وأطلقوا سراح المسجونين وتطلعت الأمة بأمل طالبة الحماية من نوابها الذين أرسلتهم إلى باريس لكن المجلسين كانا قد استسلما لحكومة الإدارة، وحكومة الإدارة بدورها لم تبد سوى أنها أوليجاركية مغتصبة تحكم بالرشوة والمغالطلة والقهر.

 وبدأ الفرنسيون يأملون في أن يعود بعض الجنرالات الأكفاء مثل ماسين أو مورو وحبذا بونابرت ليقود جماعة منظمة في باريس ويطيح بالسياسيين ويمنح فرنسا الانضباط والأمان حتى لو كان هذا على حساب الحرية. لقد انتهى الفرنسيون إلى نتيجة مؤداها أنه لا يقدر على إنهاء فوضى الثورة، وفرض النظام في فرنسا وإحلال الأمن بها مما هو ضروري لحياة متحضرة سوى حكومة مركزية يقودها زعيم واحد متمتع بالصلاحيات اللازمة.

 وافق سييز -الذي كان راهبا في وقت من الأوقات والذي كان يغازل الثورة لسنوات والتحق بحكومة الإدارة في أواخر عهدها- على ما رآه الفرنسيون لكنه عندما درس حكومة الإدارة رأى أنه لا أحد منهم يشاركه الفكر والرؤية اللازمتين لفرنسا موحدة سوية وكان الرجل متشربا بفكرة الدستور لكنه يحتاج إلى جنرال ليكون عوناً على إصدار الدستور. تفكر سييز ملياً، فنابليون يمكن أن يكون هو الرجل المطلوب، لكن أيقبل نابليون سييز والدستور الجديد؟

 عندما وصل نابليون ظل أهل باريس طوال ثلاثة أيام يحتفلون ليلا ونهارا بوصوله بالشرب في الحانات والغناء في الطرقات. وفي كل مدينة تقع على الطريق من الساحل إلى العاصمة هبت الجموع لتحية الرجل الذي بدا لهم رمزا للنصر وتأكيدا له حتى إنهم لم يسمعوا بالنكبة التي حدثت للفرنسيين في مصر. وذكر المراقبون أن الجموع المتجمعة كثيرة جدا مما عطل حركة المرور فلا يستطيع أحد أن يتقدم إلا بصعوبة.

 في هذه الأيام نزع نابليون إلى السكون والتأمل وتجنب أن يظهر أمام العامة، وفي البيت وعندما يخرج كان لباسه مدنيا حتى يحبط الشائعات القائلة بأن الجيش كان يخطط للاستيلاء على الحكم. وفي اجتماع من الاجتماعات قابل سييز وكسبه إلى جانبه بملاحظة واحدة: “ليس لدينا حكومة لأنه ليس لدينا دستور أو على الأقل ليس لدينا الدستور الذي نحتاج، لا بد أن تقدم لنا بعبقريتك هذا الدستور المطلوب”.

 وسرعان ما أصبح بيت نابليون مركزا لمفاوضات سرية استقبل خلالها زوارا من “اليسار” ومن “اليمين” ووعد اليعاقبة بالمحافظة على الجمهورية ودافع عن مصالح الجمهور، وأعلن أيضا وبصراحة أنه قابل ممثلي البوربون، وعلى أية حال فقد جعل نفسه بعيدا عن أي فريق، واستمع نابليون بمزيد من الرضا لمدنيين مثل سييز الذي نصحه بتولي أمر الحكومة وتدشين دستور جديد وكان هذا يتطلب تعديل أو خرق قانون أو قانونين.

ذهب نابليون لأداء القسم في مجلس الشيوخ قائدا لحامية باريس وتحدث هناك بعبارات فضفاضة ليسمح لنفسه بشيء من حرية العمل والاختيار فيما بعد، فاستخدم عبارات عامة تتيح له تفسيرها فيما بعد: “إننا نريد جمهورية قائمة على الحرية والمساواة والمبادىء المقدسة لتمثيل الأمة، وسنصل إلى هذه الجمهورية، إنني أقسم”. وعندما خرج من القاعة قال للجنود المتجمعين: “الجيش متحد معي”، وفي هذه الأثناء أحضر بوتو سكرتير بارا إلى نابليون رسالة من بول بارا يطلب فيها ضمانا بالخروج الآمن من باريس فهب نابليون صارخاً بكلمات كانت كحكم بالإعدام على حكومة الإدارة، وقال له: “ماذا فعلتم بفرنسا التي تركتها لكم مزدهرة؟ لقد تركتكم تنعمون بالسلام، فوجدتكم في حرب، لقد تركت لكم انتصارات فوجدتها هزائم، لقد تركت لكم الملايين من إيطاليا فوجدت السلب والبؤس، ماذا فعلتم بمئات الآلاف من الفرنسيين الذين أعرف أنهم زملائي وشركائي في النصر والعظمة؟ لقد ماتوا”.

ثم في 10 نوفمبر (الثامن عشر من بروميير) عسكرت حامية باريس بالقرب من القصر الملكي، وتبعهم نابليون وعدد من ضباطه المقربين، ثم لحق بهم سييز و دوكو و تاليران و بوريين وراحوا يراقبون اجتماع مجلس الشيوخ في بهو مارس واجتماع مجلس الخمسمائة في حديقة الأورانجيري المجاورة له. وما أن دعا لوسين بونابرت -رئيس المجلس- مجلس الخمسمائة للجلوس والنظام حتى تعالت الاحتجاجات على وجود العساكر حول القصر صائحين: “لا للدكتاتورية، فليسقط كل دكتاتور، إننا أحرار ولن تخيفنا الحراب” وكان هناك اقتراح مؤداه أن على كل نائب أن يتقدم إلى المنصة وأن يجدد بصوت مسموع قسمه بحماية الدستور، وجرى تنفيذ ذلك بهدوء حتى الساعة الرابعة بعد الظهر·

وتباطأ مجلس الشيوخ أيضا على أساس أنه من الضروري انتظار ما يتقدم به الخمسمائة من اقتراحات، وكان نابليون في غرفة جانبية مغيظا محنقا مخافة أن تضيع القضية التي أتى من أجلها إذا لم يتم اتخاذ عمل حاسم في الحال، وشق نابليون طريقة إلى منصة مجلس الشيوخ وحاول أن يثير هؤلاء الرجال كبار السن ليتحركوا للقيام بعمل ما، لكنه رغم ما كان معروفا عنه من بلاغة في بياناته وحسم في مناقشاته كان في هذه المرة يكظم غيظة ويكتم أفكاره مما جعله غير قادر على ارتجال خطبة متسقة أمام هذا المجلس التشريعي.

لقد تحدث بحدة وعنف: “إنكم فوق بركان. اسمحوا لي أن أتحدث بحرية كمقاتل. لقد كنت أعيش في سلام في باريس عندما استدعيتموني لتنفيذ أوامركم، لقد جمعت رفاق السلاح وهببنا لنجدتكم بينما الناس يغمرونني بافتراءاتهم، لقد قالوا إنني مثل قيصر كرومويل وتحدثوا عن حكومة عسكرية، إن الوقت يمضي بسرعة، إنه من الضروري أن تتخذوا إجراءات حاسمة فورية، إن الجمهورية بلا حكومة، فلم يبق إلا مجلس الشيوخ، فليتخذ المجلس إجراءات، فلينطق، وسأكون أداة التنفيذ، دعونا ننقذ الحرية. دعونا ننقذ المساواة. قاطعه أحد الأعضاء: “وننقذ الدستور أيضا” .. فأجاب نابليون بانفعال غاضب: “دستور؟ إنكم أنفسكم قد دمرتموه. أنتم انتهكتموه في 18 فروكتيدور، أنتم انتهكتموه في 22  فلوريل، أنتم انتهكتموه في 31 بيريال إنه لم يعد جديرا باحترام من أي إنسان”.

 ذهب نابليون بعد ذلك لمجلس الخمسمائة وبعد أن احتد النقاش أمر نابليون بقرع الطبول وأمر الجنود باجتياح الأورانجري حيث يجتمع مجلس الخمسمائة وأمرهم بتفريق النواب غير الممتثلين للأوامر، تقدم الجنود وهم يصيحون: “حسنا .. يسقط اليعاقبة .. يسقط من كان لهم من دور في سنة 1793 .. هذا هو القرار الحاسم وعندمــا رأى النواب الحراب مشرعة هرب معظمهم وقفز بعضهم من النوافذ وتجمعت أقلية حول لوسين رئيس مجلس الخمسمائة.

عاد نابليون إلى مجلس الشيوخ وشرح لأعضائه أن مجلس الخمسمائة قد تخلص من أعضائه غير المرغوب فيهم، ووافق مجلس الشيوخ -الذي سعد أعضاؤه بعدم إبعادهم- على مرسوم يقضي بأن يحل ثلاثة قناصل بشكل مؤقت محل حكومة الإدارة وهؤلاء القناصل الثلاثة هم: بونابرت و سييز و دوكو، وتم تنظيم نحو مائة من بين الخمسمائة في مجلس ثان  وتم إرجاء اجتماعات المجلسين وبدأ القناصل الثلاثة كتابة الدستور الجديد وحكم فرنسا.

 يقول اللورد أكتون: “لا يمكن أن تكون هناك تدريبات عقلية أكثر فعالية من ملاحظة كيف يعمل عقل نابليون المعروف بأنه أقدر رجل في تاريخ البشرية”. لكن من منا يمكنه أن يزعم أنه قد عرف بحق وبشكل كامل رجلا قدمه لنا مئات المؤرخين المثقفين كبطل ناضل لتوحيد أوربا وسيادة القانون بها، ومئات المؤرخين المثقفين كغول استنزف دماء فرنسا وخرب أوربا ليشبع نهمه للسلطة والحرب. من منا يستطيع الزعم بالإحاطة بكل أبعاد نابليون في ظل كل هذا.

ختاما، كان يمكن لنابليون أن يجنب فرنسا ويتجنب ما آلت إليه الأمور إذا لم ينفرد بالسلطة ويعلن نفسه امبراطورا وإذا استمر في تعاونه المثمر مع سييز و دوكو والتزم بالخطة الطموحة التي كانوا قد وضعوها معا من أجل فرنسا،

يقول اللورد أكتون أيضا: “كل سلطة مفسدة .. والسلطة المطلقة مفسدة مطلقة”.

Posted by: basem | 23/07/2013

مخرجان تخيليان للإخوان

الأول:

استغل مرسي حالة النشوة بفوزه في أوساط المجموعات الثورية ولم يتنظر حتى تنتهي الاحتفالات في الشارع، كانت فرصة تاريخية وأحسن أن لم يضيعها، دعا في خطابه الأول إلى مؤتمر للمصالحة الوطنية على أساس العدالة والمحاسبة وكان تحركا ذكيا للغاية فإصلاح دولة في حجم مصر بكل ما قد مرت به يحتاج إلى جبهة داخلية قوية، وكان محمد مرسي واعيا بذلك، لذلك فلم يكتف بتشكيل حكومة وحدة وطنية تمثل كافة أطياف الطيف السياسي الثوري فقط، ولكنه تحرك بحساسية ودقة بالغتين كي يوازن بين محاسبة القتلة والفاسدين وبين إعادة دمج الذين لم يتورطوا في عمليات فساد أو قتل، وإعطاء الأمان للقطاعات التي لم تشارك في الثورة.

شكل مرسي حكومة من الكفاءات، ولم نكد نصدق ما فعله عندما قرر أن يأتي برئيس حكومة من خارج تياره مكتفيا بأن حاز ذلك التيار مقعد الرئاسة، وكانت تلك الحكومة تعبيرا صادقا عن الطيف الوطني بالكامل من أقصى يمينه إلى أقصى يساره، كذلك لم نكد نصدق أن وزارة الإعلام قد ألغيت أخيرا وقد كنا نظن قبل ذلك أن الإخوان المسلمين سيسعون أول ما يسعون إلى قنص حقيبتي الإعلام والتعليم من أجل إنفاذ أفكار تنظيمهم في المجتمع، إلا أنهم فاجئونا بانفتاحهم المثير للإعجاب بعد اطمئنانهم للحصول على مقعد الرئيس ما جعلنا نتجاوز القلق النابع من أنهم قد رشحوا مرشحين رئاسيين بعد أن صرحوا بأنهم لن يسموا مرشحا لرئاسة الجمهورية.

لم تكن تحركاتهم التالية أقل إبهارا، فقبل مرور شهر واحد على توليه الرئاسة أصدر الرئيس محمد مرسي قرارا بحل الجمعية التأسيسية لكتابة الدستور وتشكيل جمعية تأسيسية جديدة أكثر تمثيلا للمجتمع لا تعتمد على الاستقطاب الديني أو المحاصصة السياسية بقدر ما تسعى لتمثيل كافة أطياف وشرائح المجتمع المصري، دارت أحاديث قانونية كثيرة حول مدى قانونية ما قام به الرئيس، إلا أن الجميع كان مرتاحا لتلك الخطوة وعلى استعداد لتجاوز الإشكالات القانونية من أجل تصحيح التحرك للأمام، ورغم النقاشات الحادة التي دارت في الجمعية إلا أن توسط الرئيس بين المتنازعين والآليات التشاركية التي اتبعتها الجمعية من أجل كتابة الدستور انتهت بنا إلى دستور يكاد يتفق عليه الجميع ويقبلون التعايش معه على أساس أنه لا أحد يعيش في هذه الدولة بمفرده وعلى الجميع أن يتنازل من أجل الوصول إلى اتفاق. كذلك كان انتباه الجميع مشدودا نحو المواد الانتقالية التي تهدف إلى التنظيم الجديد للدولة في ضوء شعارات وأهداف الثورة وهو ما جعل الخلاف حول المواد الجدلية هامشيا للغاية.

لم يصدق أحدا أن القنوات الفضائية التي كان يتوقع منها تشويه صورة محمد مرسي كانت تبارك ما يقوم به من خطوات، فللأمانة لم يكن أحدا يختلف مع ما يقوم به الرجل من إنجاز، وحتى إن اختلف البعض فلم يكن أحدا يجرؤ على الإعلان عن ذلك الاختلاف في ظل الشعبية المتزايدة التي كان يحظى بها الرئيس يوما بعد يوم. وحتى عندما انتقل إلى الجانب الأصعب وهو جانب التعامل مع المؤسسة العسكرية كان ذلك باتفاق ومباركة اجتماعية كاملة، وقد كان موفقا للغاية في اختياره قيادة جديدة للجيش تتفهم إلى حد كبير دور الجيوش في البناء الديمقراطي وتستطيع أن تبني شراكة مع المدنيين من أجل العبور بمصر من ذلك المنحنى.

في ظل ذلك التوافق الميشر بالاستقرار وفي ظل الأداء المنقطع النظير من حكومة الكفاءات، بدأ الاقتصاد المصري في التعافي بشكل سريع نسبيا، وخصصت جماعة الإخوان المسلمين مكاتبها وتنظيمها بالكامل من أجل ملء الفجوة بين أداء الدولة التي عليها أن تواجه تلك الأعباء وبين المجتمع الذي أثقلت كاهله الأعباء الاقتصادية والاجتماعية، وكانت الجماعة مثالا لما يمكن أن تقدمه تنظيمات المجتمع المدني من خدمات للدولة والمجتمع، في الحقيقة كان ذلك الأداء المبهر هو الصفة العامة لأداء المجتمع الأهلى التنموي منه والحقوقي، إكمالا منه دور الدولة وتنبيهها إلى مواطن الخلل، كان لقانون الجمعيات الأهلية الجديد الذي أصدره الرئيس دون أن ينتظر انتخاب البرلمان أثرا هائلا في سريان تلك الروح في المجتمع المدني المصري.

على أعتاب اكتمال العام الأول للرئيس محمد مرسي أول رئيس مدني منتخب لمصر يستعد المصريون لانتخابات البرلمان الذي التزم فيها الإخوان المسلمون بالترشح على ثلث المقاعد فقط كما أعلنوا قبل ذلك لإرسال المزيد من رسائل الطمأنة، ويستعد المصريون كذلك للحدث الأكبر الذي دعا إليه الرئيس وبدأ الجميع في الإعداد له وهو المؤتمر الوطني الكبير الذي سوف يتمحور حول تصميم وبناء مصر الحديثة وطرح المشروعات الاقتصادية الكبرى الكفيلة بإقالة مصر من عثرتها الاقتصادية والسير بها على طرق التقدم.

الثاني

لم يقف الجيش على الحياد كما يزعم الإخوان المسلمون، ولم يحم الشرعية الدستورية كما يزعمون، فأي شرعية تلك لرئيس خرجت ضده كل تلك الملايين، وأي حياد ذلك الذي يقف صامتا بينما تهاجم الميليشيات المسلحة للجماعة المعتصمون العزل في التحرير والاتحادية وسيدي جابر وميدان الساعة بدمنهور في وقت واحد وكأنها ساعة صفر لمعركة حربية. صمدنا كالعادة ولكن كانت تلك الأيام دموية أكثر من أي وقت مضى، فبرغم الغضب الشعبي ضد الإخوان المسلمين إلا أن اشتراك وحدات الشرطة والجيش في تأمين مقارهم وكانها منشآت حربية كان كفيلا بمنع المتظاهرين الغاضبين من الوصول إليها، وأما المتظاهرون المعتصمون فكان أبناء الجماعة المدججون بالسلاح الآلي كفيلين بهم.

كنا نتميز من الغيظ، فعقب كل هجوم إخواني مسلح على ميادين الاعتصام يقوم أفراد الجماعة بأنفسهم بالقبض على المصابين وتعذيبهم بأنفسهم ثم تسليمهم إلى الشرطة التي كانت تحيلهم فورا للنيابة، ولم نكن في حاجة لانتظار القرار، فالنيابة العامة المنحازة للإخوان كانت تقوم بحبس المعارضين بشكل تلقائي وإذا حدث وذهب إليها عضو من أعضاء الجماعة فالأمر لا يحتاج أكثر من اتصال تليفوني من أحد قادة الجماعة للنائب العام كي يخلى سبيل الأخ من سراي النيابة دون حتى ضمان مالي. ناهيك عن قدر الحقارة الصادم في تعليقات رموز شباب الجماعة ومحبيهم على الانترنت من خوض في أعراض المعتصمين واتهامهم بكل اتهام، ولكن كان أحقر ما فعلوه على الإطلاق كان سبابهم المنحط لشهداء الاشتباكات.

كان وزير الاستثمار قد أنفذ تهديده للقنوات الفضائية وقام بسحب رخصها بسبب ما قال أنه تغطية منحازة لأعمال العنف والبلطجة فأصبح التلفزيون الرسمي الذي يقوم بالرقابة على برامجه الوزير الإخواني بنفسه هو الجهة الوحيدة التي تقوم بتغطية الأحداث تغطية عرجاء تحجب أكثر مما تكشف وتتلاعب بالحقائق على طريقة تلفزيون مبارك في أيام الثورة، الأسوأ من ذلك أن حتى قناة الجزيرة التي كانت تعرض الوجه الآخر للأمر في أيام مبارك لم تعد تفعل ذلك وتفوقت في انحيازها وتضليلها على التلفزيون الحكومي ذاته. أما القنوات الدينية فشأنها كان شأن ما هو ديني في هذا البلد في ظل حكم الإخوان المسلمين تحولت هي والمساجد وإذاعة القرآن الكريم إلى أبواق خالصة لسب المعارضين وتكفيرهم فقط، دون استثناء ودون حديث في أي أمر من أمور الدين الأخرى غير فقه تحريم الخروج على الحاكم.

تسربت الأيام التسعة، ودخل رمضان وهدأت الاشتباكات الدموية واكتفى النائب العام الإخواني بحبس من قام بحبسهم وانتهى الأمر بالمحتجين باعتصام آخر لكنه يختلف قليلا عن ذي قبل، فالصيام وحر النهار يفعل بالمعتصمين ما لم يفعل مرسي وجماعته وفي الليل تهاجم الميادين بين الحين والآخر مجموعات الإخوان المسلحة بعد انتهائهم من صلاة التراويح، فتقتل من تقتل وتسلم للنائب العام من تسلم ثم تعود أدراجها. وكان الأكثر استفزازا في ذلك المشهد هو كلمات الرئيس التي يذيعها التلفزيون المصري عقب صلاة التراويح والتي يستغرق ثلاثة أرباعها في الهجوم على المعارضين ويستهلك الربع الباقي في الحديث عن دعوته للحوار الوطني وأوامره التي أصدرها لفلان وعلان بكذا وكذا.

يبدو أن مرسي والإخوان المسلمين قد نجحوا في تجاوز تلك الموجة، أفكر كثيرا في مصير الاقتصاد المصري في ظل كل تلك الفوضى حتى مع الدعم التركي والقطري السخي والدعم الأمريكي الموعود، وأفكر أيضا إلى متى ستصمد حماية الجيش والشرطة للإخوان المسلمين من بطش تلك الجماهير الغاضبة. لا أعلم ولكن يبدو لي أن الإخوان قد استطاعوا الخروج من تلك الأزمة أيضا وأن مزيدا من البطش بانتظارنا.

Posted by: basem | 12/04/2013

دفاعا عن الوسطي الحزين

أولا .. أنا لا أقول ما يرضي هذا أو ذاك .. أنا أقول ما أعتقد فيه

ثانيا .. كنت أود بالأساس أن أجعل عنوان تلك التدوينة “دفاعا عن الليبرالية”.. ولكن في هذا الزمن الصعب سيعتقد البعض أنني أدافع عنها ضد تطرف الإسلاميين، ولن يتخيل أحدهم أن زماننا من الصعوبة للدرجة التي تضطر عندها أن تدافع عن ليبراليتك ضد تطرف الليبراليين.

ثم أما بعد؛

قرأت اليوم المقالة التي كتبها الأستاذ محمد خير بجريدة التحرير تحت عنوان “الوسطي الحزين في زمن التمكين” والتي انطلق منها من مقدمات يتفق عليها كل أنصار الديمقراطية والليبرالية، ليمر بأمثلة تاريخية قديمة وحديثة منطقية ومقبولة، ولكن لينتهي إلى نهاية مفادها أن الشيخ الحبيب علي الجفري رجل شرير. ذلك أنه يدعو إلى أفكاره -التي يختلف معها الأستاذ خير وقد أختلف مع بعضها أنا أيضا- وهو رجل شرير كذلك لأنه يحب أن يرى ما يعتقد فيه واقعا ملموسا ويتخذ إلى ذلك الدعوة والتدرج سبيلا، وهو شرير كذلك ليس لأنه قال كلاما ما، ولكن لأنه لم يقل كلاما ما، فيقول الأستاذ محمد خير:

تقرأ للحبيب الجفري (وسطى، أقنع حنان ترك بأن التمثيل حرام)، كلمات حزينة تنتقد سلوكيات الإسلاميين، لكن الجفرى لا يقول لنا هل يمكن إقامة «المشروع الإسلامى» بغير تلك السلوكيات.

لا أنكر أن الممارسات الشنيعة لأنصار فكرة الإسلام السياسي قد أصابتني أنا أيضا بالصدمة وأقامت بداخلي بشكل تدريجي شكوكا لا بأس بها تجاه كل من يصف نفسه بأنه إسلامي فسحبتني من منطقة الرهان على مشروع الإسلام السياسي الوسطي كتطوير لأيديولوجيا الإسلام السياسي ووضعها في إطار يمكنني كليبرالي علماني التعايش معه إلى المنطقة التي أتحسس عندها مسدسي بمجرد معرفة أن هذا الشخص أو ذاك “إسلامي”. ليس سرا كذلك أنني مع الأداء المبهر في فظاعته -وأحيانا كثيرة في وضاعته- الذي يؤديه الإسلاميون في الحكم تحولت تدريجيا من علماني يدعم مشروعا مشتركا “إسلاميا-علمانيا” مضادا للاستقطاب إلى أحد المتمترسين بريبة خلف متاريس أحد قطبي ذلك الاستقطاب.

مع ذلك .. فلازال من المزعج بشدة لليبراليتي أن أحاسب أحدا على ما لم يقله .. ذلك أنني أؤمن بحرية الضمير، أو أن أحاسب أحدا على ما يقله .. ذلك أنني أؤمن بحرية الرأي، أو أن أحاسب أحدا على التزامه بنشر ما يعتقد فيه .. ذلك أنني أؤمن بحرية الاعتقاد. دعني أقول لك قبل أن تجرني لمساحات “لا حرية لأعداء الحرية”، “وماذا لو كان ذلك الرأي تحريضا على القتل”، “وماذا لو كان ما يعتقد فيه فلان ينضوي على مصادرة لحريتي” أنني لست من أؤلئك المثاليين الذين يدافعون عن حرية القاتل في أن يقتلني، وأنني كذلك من الذين يشاركون بحماس في كافة المعارك العنيفة التي تدور بيننا وبين “أعداء الحرية”، وأنني فوق ذلك وذاك قد نقيت كامل دوائري منهم لدرجة أنني لا أصافح من كنت أعرفه منهم قبل ذلك. ولكن لأنهم فعلوا ليس لأنهم قالوا، وبالتأكيد ليس لأنهم “لم يقولوا”.

أنا أكره حزب الوسط ليس لأن اسمه كذلك ولكن لأنه يدعم صراحة سياسات “أعداء الحرية” الذين يعادونها بالقول وبالفعل، بالقانون وبمخالفة القانون، ولأنه قد أظهر كالشمس أنه سيفعل ما يفعله “أعداء الحرية” إن جلس على كراسيهم. أما أن نحاسب الناس على ما لم يفعلوه بل ما لم يقولوه فهي ممارسة يعج بها التاريخ من محاكم التفتيش في أوروبا إلى الماكارثية في أمريكا وأظن أن ذلك من أشد ما نخالف فيه الإسلاميين. وليس ثمة وسيلة لتحويل حياتنا إلى جحيم أنسب من محاسبة الناس على نواياهم.

بالتأكيد سأوصف بناء على الفكرة التي طرحتها بأنني “علماني وسطي” وبالتأكيد أن هناك أحدهم يرى أنني كـ “علماني وسطي” كافر أيضا، تماما كما رأي البعض أن “الإسلامي الوسطي” شرير هو أيضا. إنها دائرة لا تنتهي من التطرف والتطرف المضاد تسير عكس اتجاه الطبيعة في المجتمعات السوية التي تجنح دائما -أو يفترض أن تجنح دائما- لأن ترسم منحنى التوزيع الطبيعي أو منحنى الجرس في كافة ظواهرها الاجتماعية بحيث يتركز أكبر عدد من أفراد المجتمع في الوسط تحت قبة الجرس ويقل عدد الأفراد كلما تطرفنا يمينا أو يسارا عند أطراف المنحنى.

لا أتوقع كليبرالي أن نتشابه جميعا في الميول والأفكار والمعتقدات، فالاختلاف حتمي، ولكن أتوقع كليبرالي أننا يجب علينا إدارة ذلك الاختلاف، فإذا ضاق صدرنا برأي الشيخ الذي لم يشتغل بالسياسة ولم يدع لما يعتقده بوسيلة غير مشروعة -قانونية كانت أو غير ذلك- فما عسانا أن نفعل بالذي يشتغل بالسياسة ويرى غير ما نرى.

أستاذي الذي لا أعرفه الحبيب علي الجفري .. أقبل اعتذاري كـ “علماني وسطي”.

أستاذي الذي لا أعرفه محمد خير ..  دع ذلك لـ “أعداء الحرية”.

Posted by: basem | 20/11/2012

محمد محمود نوفمبر 2011

انتهت تلك الجمعة .. 18 نوفمبر 2011 .. كنا قد اتبعنا ما تمليه عليه ضمائرنا دون حسابات ونزلنا رافضين للوصاية العسكرية على الدولة في الدستور الجديد التي حاول السلمي تمريرها عبر وثيقته الشهيرة. كنا من السذاجة أن اعتبرنا أن مجرد تنحية الحكم العسكري عن السلطة بمصر كفيل بإقامة دولة العيش والحرية والعدالة والكرامة التي حلمنا بها، وكنا من السذاجة أيضا أن تجاهلنا عن قصد ألاعيب ما تحت الطاولة ما بين العسكر والإسلاميين، وكنا من السذاجة كذلك عندما أصغينا لذلك النداء الأحمق “فليثق الأعزل بالأعزل”. لم نكن حينها “إيد واحدة” كما كنا قبل ذلك ولكن كنا “شعبين” يجمعهم ميدان واحد ومطلب واحد فقط لا غير. هم بأزيائهم وأعلامهم السعودية والأفغانية أو بلحاهم الخفيفة ومعاطفهم الجلدية التي تبدو لك موحدة من فرط تشابههم. ونحن بملابسنا الملونة وضحكاتنا الصاخبة وتنوعنا اللانهائي. في كل الأحوال كان صفوت حجازي -ولم يكن قد تبين لنا قدر حقارته كاملة بعد- يبيع الميدان بأكمله بمن فيه أمام التلفاز على أن جميع من فيه هم من أفراد قبيلته. انتهى اليوم وانصرفنا إلى مسرح روابط لنشاهد “التحرير منولوج” لنتذكر أجمل أيامنا وأكثرها إيلاما – فلم تكن أيام محمد محمود قد بدأت بعد. عدنا بعد ذلك بعد أن خلا الميدان إلا من خيمتين، أحدهما لمصابي الثورة المعتصمين من قبل ذلك والمهملين دائما والأخرى لبعض الزملاء كان من بينهم صديقنا محمد المشير. تسامرنا طويلا وأخذنا في السمر والغناء حتى الفجر ثم انصرفنا جميعا محاولين إقناع مشير ورفاقه بالإنصراف إلا أنهم أصروا على البقاء. وذهب كل منا إلى بيته.

استيقظت عصر السبت على أخبار مهاجمة قوات الأمن المركزي لمصابي الثورة ومطاردتهم والاعتداء عليهم. أولئك الذين فقدوا سلامة أجسادهم من أجل ألا يهان آخرين لا يعرفونهم فأهملوا وأهينوا. إلى الميدان إذن والأمر لا يحتاج لكثير من الحسابات أو الانتظار. قابلت طاهر ولؤي ونجاتي في محطة المترو وقمنا بشراء الشالات والخل لمواجهة الغاز ووصلنا إلى الميدان مع حلول الليل. انضممنا لباقي الأصدقاء وكان محمد مجدي قد أصابته طلقة خرطوش في بطنه قبل وصولنا بقليل، وانضم لنا أخي سمير بعد قليل في أول معركة مشتركة أجرب فيها ذلك الإحساس اللعين الذي تحسه أمهاتنا ونحن نقوم بتلك الأعمال الجنونية الانتحارية التي نطالب من خلالها بحريتنا وكرامتنا. كانت الأعداد قد تزايدت إلى حد ما ولكن بالشكل الذي كان معه ملء الفراغ الاستراتيجي في الميدان فقط ليس عملا كافيا على الإطلاق. دارت الإشاعات المعتادة حول الهجوم القادم من ناحية قصر النيل فقررت مجموعتنا تأمين تلك الجبهة برغم اتساعها علينا ولكن أذكر أننا نجحنا في ذلك.

كان العدد في الميدان قليل، وبقينا على بوابة قصر النيل حتى ما بعد الفجر تخلل ذلك ذهاب بعضنا -ولم أكن منهم- لجبهة القتال داخل شارع محمد محمود وتخلل ذلك أيضا حضور جميلة إسماعيل إلى الميدان كأول شخصية عامة تزور الميدان في ذلك اليوم، ثم محمد البلتاجي وكنا حينها لازلنا نظنه مختلفا عن إخوانه في التنظيم بحيث يمكنه أن ينحاز إلى الحق فقط ودون حسابات وهو ما تبين لنا خطؤه لاحقا. كذلك زار الميدان حازم صلاح أبو إسماعيل الذي وللحق لم يكن يستقر فيه طويلا وكان يتكلم أكثر مما يفعل إلا أن وجوده دائما كان سندا معنويا هائلا من ناحية وأنصاره المتحمسين كانوا سندا لا بأس به للواقفين على خط القتال. في نهاية الليلة حاولت النوم قليلا على الأسفلت المقابل لمبنى جامعة الدول العربية حيث لم تكن الخيام قد نصبت بعد واستمر ذلك حتى اقترب الصباح وبدأت الأعداد في التزايد والاشتباكات في التوقف بالشكل الذي يسمح لي أن أغادر.

برغم وجودي هناك طوال أيام الاشتباك وحتى نهاية الأسبوع إلا أن ما سبق هو كل ما أستطيع تذكره بشكل مرتب سواء من حيث الشخصيات أو الأيام، ولا أستطيع أن أذكر ما حدث بعد ذلك إلا في صورة مشاهد منفصلة وغير مترابطة لا أستطيع أن أذكر هل حدثت في اليوم الأول أم الثاني أم الأخير. أذكر من ذلك محاولتي الوحيدة للدخول إلى داخل الشارع والاشتباك وليس التواجد للدعم أو حفظ التوازن الاستراتيجي أو حتى الاشتباك على الجبهات الواسعة جيدة التهوية والمجهزة للفرار السريع. في الواقع أنني أعرف عن نفسي ويعرف عني الأصدقاء أنني لست شجاعا أو لائقا بالقدر الذي يمكنني من الاشتباك في مكان مغلق ومظلم وملئ بالدخان كشارع محمد محمود ولكن حماسة اليوم وغيرتي من شجاعة المقاتلين على الصفوف الأمامية وبعض الأصدقاء دفعتني للدخول إلى شارع محمد محمود وعدم الاكتفاء بالاشتباك على جبهة شارع القصر العيني. ويبدو أنني كنت الأكثر قدرة على تقييم قدراتي، فمباشرة بمجرد أن دخلت ودون إنجاز يذكر في رمي الحجارة استقبلت قنبلة من قنابل الدخان تحت قدمي مباشرة سببت لي ضيقا هائلا في التنفس وجعلتني شبه فاقد للوعي لولا مساعدة بعض الشباب لي على الخروج قليلا ثم مساعدة مالك عدلي لي على استعادة تنفسي الطبيعي وتوازني.

أذكر أيضا صورة مصطفى النجار بالبدلة البيضاء المتأنقة وهو يقف في وسط الميدان في أحد الأيام. بالنسبة لي تتضارب مشاعري دائما تجاه أولئك الناس -الذين كان أغلبهم أصدقاء ورفاق النضال في يوم ما- هل علي أن أستمر في احتقارهم كما أحتقرهم دائما ويحتقرهم جميع من أعرفهم أم على أن أشكر لهم تواجدهم في الوقت الذي قام فيه غيرهم بالتنصل من الأمر ككل واعتباره ليس موجودا كما فعلت القوى المدنية أو مهاجمته وتشويهه واستنكاره كما فعل الإخوان. بالمناسبة، أذكر كم كان شعورا ثقيلا أن تشعر أنت وتلك الحشود التي تقف إلى جوارك ساحبة الشرعية عن حكم العسكر بهتافاتها “يسقط حكم العسكر والشعب” و”الشعب يريد إعدام المشير” كما منحته تلك الشرعية بهتافها قبل ذلك “الجيش والشعب إيد واحدة” أنك وحيد ومنبوذ وأن الجميع قد اتخذوا قرارا مسبقا باقتسام دماءك على موائد التفاوض على السلطة.

أذكر أيضا الإشاعات المتكررة -عن أرتال الدبابات التي تتحرك من صلاح سالم نحو الميدان لفضه- والتي اعتدنا على تجاهلها فيما بعد، وأذكر اجتماعا دار داخل الميدان في اليوم قبل الأخير أو قبل ذلك ضمني أنا ومالك عدلي ومرصفاوي ورجب ونوارة نجم وسامية جاهين وعمرو إمام وآخرين لصياغة مطلب سياسي للتفاوض والنشر، كان شعورا رائعا أن يخرج المطلب السياسي من قلب الميدان وليس من غرف مكيفة في مكان آخر ما. كانت المطالب لا تخرج عن إطار المحاسبة وتسليم السلطة والمجلس الرئاسي الذي أصبح بعد ذلك مطلبا عاما أفسده تخاذل الكبار وترددهم وعدم قدرتهم على الاتفاق وبالطبع خطاب المشير طنطاوي عن تسليم السلطة .. كانت “محمد محمود” معركة من نوع خاص .. أنت تحارب وحدك والجميع ضدك بالسلاح وبالكلمات .. ليس لديك فرصة للنصر أو أمل فيه وعليك فقط أن تقاتل حتى تموت أو ينتهي الأمر .. في الأغلب بلا شئ .. أصبحت أيضا عبارة “مجلس رئاسي مدني” أحد أهم “القلشات” التاريخية التي خرج بها جيلنا من تلك الأيام الثقيلة المليئة بالطهارة والحماس مع مجموعة لا بأس بها من التشوهات النفسية والذكريات الأليمة والعميقة والصادقة .. والرغبة في الانتقام.

ش. ك. ف. : ردود أفعال غاضبة حول اختيارات حقوق الإنسان والأعلى للصحافة

فريد: ما حدث محاصصة تقود مصر إلى طريق غير ديمقراطي
فريد: الاختيارات هي مكافأة لحلفاء الإخوان الذين ساندوهم في انتخابات الرئاسة الأخيرة

تحرير: كريم فريد

الناشط السياسي كريم فريد

أثارت الأسماء التي أعلنها مجلس الشورى لعضوية المجلس القومي لحقوق الإنسان والمجلس الأعلى للصحافة ردود أفعال غاضبة في أوساط القوى المدنية والثورية حيث قام مجموعة من نشطاء وشباب الثورة مساء الأمس بتنظيم وقفة احتجاجية أمام نقابة الصحفيين احتجاجا على تلك الاختيارات.

وصرح الناشط السياسي كريم فريد بأن تلك الاختيارت تذكرنا بممارسات المححاصة التي يتم توزيع المناصب فيها وفقا لتقسيمات خاصة وليس بهدف تحسين الأداء السياسي والنهوض بمؤسسات الدولة. وأضاف فريد أن تلك الاختيارات هي مكافأة لحلفاء الإخوان الذين ساندوهم في انتخابات الرئاسة الأخيرة. وعلى صعيد آخر قال الناشط كريم فريد عضو حركة 6 أبريل أن دعم الحركة للإخوان لا يعني أنها ستوافق على إعادة انتاج أدوات وممارسات النظام السابق.

وبصفته المهنية استنكر الصحفي كريم فريد اختيارات الشورى لأعضاء المجلس الأعلى للصحافة التي تجاوزت عامل الخبرة والكفاءة واعتمدت بشكل كامل على عامل الثقة. وفي سياق متصل شدد الناشط الحقوقي كريم فريد على أن اختيارات المجلس القومي لحقوق الإنسان لا تتفق ومبادئ باريس التي أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة ولا يتوقع منها أن تقوم بالدور الذي يستهدف من إنشاء مثل تلك المجالس الوطنية.

وفي اتصال هاتفي قام الأستاذ كريم فريد المحلل السياسي بالتعليق على الخبر بقوله أن تلك الممارسات هي بالضبط ما مثل بداية النهاية لنظام مبارك الحزب الوطني الذي استخدم بعض المؤسسات الهامة في الدولة كنوع من هدايا ومكافآت الولاء لتابعيه ومؤيديه وأن بالرغم من الأداء المعقول من الرئيس محمد مرسي إلا أن ممارسات جماعة الإخوان السياسية لازالت تتسم بمقدرتها الفائقة على استعداء شركاء الوطن والثورة.

…………………………………………………………………………………………………………………………………………..
*هذا الخبر ليس له أساس من الصحة والغرض منه مداعبة صديقنا المشاغب كريم فريد .. وإن كانت مشاعرنا نحو الاختيارات المؤسفة لا تبتعد كثيرا عما ذكر

الفيلم الوثائقي القصير “في سبيل العدالة” من إنتاج المركز الدولي للعدالة الانتقالية. يسلّط الوثائقي الضوء على أهمية السعي لتحقيق العدالة الانتقالية في أعقاب الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان ويفتح الباب أمام النقاش حول جدوى العدالة الانتقالية في عالم اليوم. يكتسب هذا الوثائقي أهمية خاصة بالنسبة الى الجماهير في العالم العربي ومصر تحديداً بحيث يخصص جزءاً أساسياً منه للحديث عن ثورة 25 يناير والتحديات أمام مصر.

يجيب الوثائقي على تساؤل لماذا السعي الى تحقيق العدالة الانتقالية في أعقاب الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان؟ ويفتح الباب أمام النقاش حول جدوى العدالة الانتقالية في عالم اليوم. ويتجلى مدى تعقيد ذلك النقاش في الروايات العديدة التي يتناولها. ففي حين يرى البعض العدالة الانتقالية كنوع من “العدالة الناعمة” وبديلاً للعدالة الجنائية في أعقاب ارتكاب الفظائع الجماعية والقمع؛ يعتبر آخرون أنها تقتصر فقط على العدالة الجنائية وتركز فقط على مرتكبي الانتهاكات. ويظن البعض أن العدالة الانتقالية عقبة أساسية أمام الوصول الى اتفاقيات سلام بينما يراها آخرون على أنها عصا سحرية وعلاجاً سريعاً لآثار الحرب والانتهاكات. في نهاية الأمر، من منظور العدالة الانتقالية فبدون المحاسبة على الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان يكون للمجتمعات أملٌ ضعيفٌ في ضمان عدم تكرار هذه الانتهاكات أو بناء السلام الدائم.

الوثائقي موجود على الموقع الإلكتروني للمركز الدولي للعدالة الانتقالية على الرابط التالي: http://ictj.org/ar/news/case-justice
وعلى موقع المركز على يوتيوب: http://www.youtube.com/watch?v=wkgJLTMbLik

مش ناوي أكتب بالفصحى ولا أحط أي مقدمات أو خلفيات تاريخية وتحليلية .. هما شوية أفكار مبعثرة وعايز أجمعهم

علينا أن ندرك إن نجاح مرسي كان الغرض منه منع تقدم الفلول وبقايا النظام من التقدم بعد كمية الأرض اللي كسبوها خلال الفترة اللي فاتت .. والهدف ده تحقق بمجرد إعلان النتيجة

خبر فوز مرسي أو بالأحرى خسارة شفيق هو دفعة معنوية وقبلة حياة للثورة اللي كانت بتتخنق في الفترة الأخيرة زي ما كان خبر فوز شفيق هيكون قبلة الحياة لنظام الحزب الوطني اللي كان في الإنعاش

أنا إلى حد ما فاصل بين نظام الحزب الوطني ونظام الدولة العسكرية لأن نظام الدولة العسكرية هو الكبير اللي الليلة دي كلها حاصلة برعايته وهو مستقر ومصالحة أكبر من إنه يكون اتهز في أحداث يناير وكلنا شفنا إزاي تحايل عليها لتثبيت أركانه .. الفائدة الوحيدة إننا شلنا واجهته المدنية وخلينا المواجهة معاه أسهل ولفتنا أنظار الناس لأصل الفساد والاستبداد في مصر

مصر متحولتش لدولة دينية بزرار دوسنا عليه بمجرد نجاح مرسي ولكن فعلا في معركة طويلة هتتم في السنين الجاية بين الإخوان والعسكريين ده هيكون مضمونها .. واللي بيتكلم عن الصفقة واتفاقهم أؤكدله إن لو في اتفاق هيكون اتفاق قصير المدى لأن مصالحهم متعارضه وجوبا على المدى الطويل

مش مطلوب مننا إننا نكمل أخطاءنا في السنة ونص اللي فاتوا بإننا نبقى أفراد متفرقين ملناش كيانات تنافس على السلطة ونضطر في كل مرة إننا ننقسم بين العسكر والإخوان أو إننا نحارب معارك مش معاركنا أو إننا ناخد مواقف سلبية مش بتأثر على سير المجريات

ما بين أصدقائي ودوايري على تويتر بسمع اتجاهين للتفكير:

1- مرسي ينفذ تعهداته ويفرج عن الأسرى في سجون العسكر ويلغي معرفش ايه ويعمل ايه ويرجع ايه

2- يسقط الرئيس الجديد وانا هنضم لمعارضته من أول يوم

في رأيي مع كامل الاحترام للآراء إن الاتجاهين فيهم مشكلة

بالنسبة للأول فمرسي في النهاية هو مرشح الحلم الإخواني مش حلم الثورة .. وأي عروض إيجابية قدمها في الفترة اللي فاتت كانت مسألة برجماتية وسياسية محضة .. في أحسن الأحوال هيلتزم بيها على المدى القصير – ده لو مخالفهاش ابتداءً – بس الأكيد إنه مش هيلتزم بأحلامنا على المدى الطويل لأن زي ما قلت إن مصالح الجيش والإخوان متعارضة على المدى الطويل .. مصالحنا ومصالح الإخوان متعارضة على المدى الطويل برضه.

بالنسبة للثاني ففكرة يسقط الرئيس القادم فكرة طفولية بتخرجنا من فكرة البناء الطويل المدى ومأسسة الثورة لتغليب التحركات اللاغائية في الشارع واللي خسايرنا فيها بتكون أكبر وبلا هدف واضح في العادة وهي الغلطات التاريخية اللي عملناها في السنة اللي فاتت وعملتها كل الثورات اللي فشلت في أوكرانيا وألبانيا ودول وسط آسيا. كمان مش مطلوب مننا نكون عون للدولة العسكرية على الرئيس المدني طالما التزم معنا زي ما مش مطلوب مننا اننا نحارب معركة الإخوان للسيطرة التامة على البلد.

مطلوب مننا نتحرك بمهارة الجراح بحيث أن نحصن مصر ضد عودة دولة الفساد دون السقوط في دولة الاستبداد الديني أو دولة الاستبداد العسكري اللي كل واحدة فيهم مسيطرة على جزء من الدولة دلوقتي .. الفلول على الشبكات القديمة والعائلات وأموال رجال الأعمال الطائلة وأجزاء من بيروقراطية الدولة وأجهزتها الأمنية .. والإخوان على الرئاسة وتنظيمهم المحكم والبرلمان السابق وفي الغالب البرلمان القادم .. والجيش على قلب الدولة الصلب والسلاح وأكثر الأجهزة الأمنية احترافا وأكبر جزء من الاقتصاد.

مطلوب مننا نتعامل بذكاء ونتحرك على محورين هو تحصين مصر الثورة ضد مصر الفساد وفي نفس الوقت تحصين مصر من السقوط في غياهب المشروع الإخواني.

مطلوب مننا بدل ما ندمر توازن العسكري/الديني لصالح أحدهما والاثنين مكروهين نضيف أثقال أخرى للتوزان ما يمكننا من إننا ننافس بقوة في المدى المتوسط ونختار شكل الدولة في المدى الطويل .. هل توازناتها مدنية/عسكرية أم مدنية/دينية أم مدنية/دينية/عسكرية أم محسومة لأي منها.

مطلوب مننا منحاربش كأفراد ونبدأ بسرعة وجدية نبني تياراتنا ومشروعاتنا البديلة أيا كانت علشان تنافس مشروع الدولة الدينية ومشروع الدولة العسكرية.

مطلوب مننا نكبر ونمثل أرقام أخرى في المعادلة عشان منضطرش في كل مرة ننقسم بين اختيارين مكروهين وننطحن في صراع ديناصورات زي اللي شهدناه طول الفترة اللي فاتت بين الديناصور الإخواني والديناصور العسكري.

في وسط حيرتنا تلك لا يزعجني أي قرار بقدر ما يزعجني من يعتبرون أن أحد القرارين اختيار بديهي ولا يحتاج إلى عميق تفكير، فضلا عمن يعتبرون أن قرارهم هذا صوابا مطلقا.

ناقش الكاتب التشيكي ميلان كونديرا في روايته كائن لا تحتمل خفته المواقف التي يفتقد المرء خلالها رفاهية الحكم على شئ ما بأنه الأفضل أو أن عكسه هو الأفضل.

في عام 1618 قرر التشيكيون من نبلاء بوهيميا الدفاع عن حرياتهم الدينية وقاموا بإلقاء رسل امبراطور النمسا من النافذة لتبدأ الحرب الدينية المسماة بحرب الثلاثين عاما التي استبيح فيها الشعب التشيكي استباحة شبه تامة.

هل كان الشعب التشيكي في حاجة إلى الحذر أكثر مما كان في حاجة إلى الشجاعة؟

هذا ما فعلوه في عام 1938، عندما قرر الشعب التشيكي أن يتخلى عن بلاده لهتلر حتى لا يصطدم بقواته التي تفوق عددهم بثماني مرات، إلا أن حذرهم واستسلامهم كان بداية للحرب العالمية الثانية التي تسببت في ضياع بلادهم وخسارتهم لحريتهم كأمة مستقلة لعشرات السنين.

فهل كانوا عندها يحتاجون للشجاعة أكثر مما يحتاجون للحذر؟

لا أحد يعرف ولا أحد يستطيع أن يعرف فلا توجد وسيلة ما نستطيع من خلالها أن نعرف أي اختيارين أفضل ولا سبيل للمقارنة لأن كل شئ نعيشه مرة واحدة بدون تجربة سابقة.

Older Posts »

تصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: