Posted by: basem | 09/04/2010

على هامش 6 أبريل 2010 – عن الفابية والاقتراب غير المباشر

“يبلي الاستراتيجيون حسنا -هذا إن وجد استراتيجيون من الأساس- إذا تناولوا مسألة استخدام تكتيكات وطرق تساهم في تحديد الهدف المحدد للحملة وفي نفس الوقت تقلل من أو تمنع ممارسات القمع الموجهة ضد المقاومين الديمقراطيين. يقول البعض أن أعمال المقاومة الاستفزازية التي يتعرض فيها الكثيرين لخطر الإصابة تلزم لأغراض استراتيجية -هذا إن وجدت استراتيجية من الأساس- ولكن يجب مراعاة مسألة حجم الإصابات والإنجازات التي يمكن تحقيقها”. ما سبق – باستثناء الجمل الاعتراضية – ليس كلامي ولكنه كلام الحاج جين شارب في كتابه من الديكتاتورية إلى الديمقراطية. وبالنسبة للاستراتيجية فأرجو ان يكون لنا تدوينة قريبة عن أهمية وجودها والمخاطر التي تنبني على فكرة النجاح بالصدفة وما إلى ذلك.

بالطبع أتحدث عن 6 أبريل 2010 الذي وفر لي مادة كبيرة للجدل جعلتني أكتب هذه الكمية من التدوينات في تلك الأيام القليلة، والذي لا أستطيع أن أخفى التناقض داخلي حياله حيث أنني برغم اعتراضي على اليوم من قبله ومن بعده إلا أنني أحمل تجاه ذلك اليوم ومن شاركوا فيه سواءا على خطوط النار أو في الخطوط الخلفية أو في غرف المتابعة والعمليات إعجابا لا يمكن تجاهله وأشعر بفخر عميق بما حققته رعونة الأصدقاء من النشطاء ومن حركة 6 أبريل ومن شباب الحملة. ربما بسبب تأثيرات فكرة برنارد شو عن ان المجانين فقط هم الذين يغيرون العالم أو نيتشه عن أنه لا يمكن لشئ ما أن ينجح إذا لم يقترن بقدر من الوقاحة الطائشة.

ولكن إذا كان لي أن أدلي برأيي فإنني سوف أتحدث عن الأفكار التي طالما تحدثت في إطارها والتي تتعلق بالفابية وحرب المواقع  والحرب الخاطفة والاقتراب غير المباشر وهي استراتيجيات تتعلق جميعها بفكرة الحرب الغير متكافئة التي يتفوق فيها أحد الخصوم على الخصم الآخر تفوقا شاسعا من حيث العدد والعتاد والإمكانيات والتقنيات.

أتخيل كل هؤلاء الذين تبنوا أو دعوا أو خططوا ليوم 6 أبريل 2010 وهم يرددون مقولة المفكر العسكري كارل فون كلاوزفيتز “لاتحدثونا عن قادة ينتصرون دون سفك دماء”. وكارل كلاوزفتز يعد من أشهر المنظرين العسكريين الذين حللوا أساليب الحرب النابوليونية أو الحرب الشاملة أو الحرب المطلقة بغض النظر عن الخسائر والتي تعتمد على الهجوم ولا ترى المواقع الدفاعية القوية إلا كوسيلة لانتظار فرصة هجوم أفضل وتعتمد أيضا على الحشد التام للقوة والدخول في صدام مباشر مع قوة الخصم. وبعيدا عن أن البعض قد علق خسائر الحرب العالمية الأولى على عاتق تلك النظرية، فإن هذه النظرية غير صالحة للتطبيق من الأساس في حالات الحرب الغير متكافئة وبشكل أوقع غير صالحة للتطبيق في حالات الحركات الديمقراطية التي تواجه سلطة دولة بأكملها وخصوصا إذا كانت تلك الحركات حركات غير مسلحة وكانت الدولة هي دولة متجذرة المركزية وبوليسية من الطراز الأول كما هو الحال في مصر.

وعلى العكس من ذلك ينبغي على الحركات الديمقراطية أن تتبنى فكرة الاقتراب غير المباشر التي نظر لها المفكر الاستراتيجي الإنجليزي ليدل هارت تأسيسا على أفكار القائد الروماني فابيوس ماكسيموس الذي استخدمها في حربه مع القائد القرطاجي هانيبال والتي اعتمدت بشكل أساسي على عدم الدخول في مواجهة مباشرة مع جيوش هانيبال ولكن الدخول في معارك استنزاف جانبية وعدم إتاحة الفرصة للخصم للانتصار في معركة حاسمة وحيدة بسبب تفوقه العددي أو تفوق إمكانياته. وتعتمد استراتيجية هارت على المناورة بالقوات وحشدها في اتجاه أضعف النقاط والاتجاهات في خطوط العدو لسرعة الوصول إلى عمق ومؤخرة العدو دون تكبد خسائر فادحة مع استغلال الأجناب المفتوحة وطرق الاقتراب غير المتوقعة من العدو أو المدافع عنها بقوات محدودة.

ومن أهم مبادئ تطبيق تلك النظرية؛ مطابقة الهدف مع الإمكانيات وعدم استهلاك الطاقة في تحقيق أهداف مستحيلة، واستمرار المحافظة على الهدف مع إمكانية وضع اهداف وسيطة تؤدي للهدف النهائي ولا تحيد عنه، واختيار الخط أو الاتجاه الأقل توقعا لدى العدو، استثمار النجاح في اختراق الاتجاهات الضعيفة لدى العدو، استخدام أهداف تؤدي إلى أهداف متناوبة تصيب العدو بالحيرة وتؤمن فكرة تحقيق الأهداف، المرونة في التخطيط والتنفيذ، وعدم الدفع بكل القوات إذا كان الخصم مستعدا، وعدم إعادة الهجوم عند فشله في المرة الأولى.

وأخيرا أود أن أوجه رسالة إلى الأصدقاء في حركة 6 أبريل الذين يصرون على استخدام مفهوما واحدا من كل مفاهيم صراع اللاعنف وهو مفهوم توظيف القمع لصالح الحركة المقاومة، ومفاد هذه الرسالة أن غاندي ذات نفسه لم يقم بمسيرة الملح إلا عام 1930 برغم عودته للهند عام 1915 وتزعمه للمؤتمر الوطني الهندي عام 1921 أي أنه لم يدخل في مرحلة المواجهة المباشرة إلا بعد تسعة أعوام على الأقل من بدء النضال الغير عنيف وبالطبع كانت تلك الأعوام التسعة هي أعوام من التنظيم والتدريب والاستعداد وتحقيق النجاحات الجزئية التي مكنته من تحقيق انتصاره النهائي في الصدام المباشر. ولا يختلف الأمر كثيرا مع أخونا مارثن لوثر كينج الذي بدأ حملات التحدي المباشر في عام 1963 رغم قدومه لمونتجمري عام 1954 وبدء حملته في 1955 و 1656.

يقول ليدل هارت: “ليس الهدف لاحقيقي هو البحث عن المعركة، ولكن البحث عن وضع استراتيجي ملائم إن لم يؤد إلى النصر يهيئ ظروفا مناسبة لمعركة تأتي بعدها وتنتزع النصر”. وبالمناسبة فإن الاستراتيجي الصيني القديم صن تسو كان يقول من قبل الميلاد بـ 500 عام: “إن المخطط الجيد هو من يخضع العدو دون قتال”.

Advertisements

Responses

  1. الرد باختصار اننا بدأنا من حيث ما انتهى الاخرون واننا تجاوزنا بالفعل مرحلة المواجهة الغير مباشره وان كان يرجع فضلها لاشخاص و تيارات ليست معنا الان ولكننا اردنا ان نستثمر ما وصلوا اليه بان نكمله واعتقادي الشخصي ان مرحلة المواجهة المباشرة قد تاخرت. وقبل ان اختم حديثي نسيت ان تذكرصاحب هذا الفكر الحقيقي الذي تبناه غاندي و اخرون وهو الرسول صلى الله عليه.

  2. الرد باختصار اننا بدأنا من حيث ما انتهى الاخرون واننا تجاوزنا بالفعل مرحلة المواجهة الغير مباشره وان كان يرجع فضلها لاشخاص و تيارات ليست معنا الان ولكننا اردنا ان نستثمر ما وصلوا اليه بان نكمله واعتقادي الشخصي ان مرحلة المواجهة المباشرة قد تاخرت. وقبل ان اختم حديثي نسيت ان تذكرصاحب هذا الفكر الحقيقي الذي تبناه غاندي و اخرون وهو الرسول صلى الله عليه.

    • شكرا للقراءة والتعليق يا سلوان .. أنا سعيد جدا بتعليقك هنا

      أحييك على النصف الأول في تعليقك لأنه أصاب النقطة التي كنت أراها نقطة الضعف الوحيدة في الطرح لأنها تترك باب الاجتهاد مفتوحا فيما يخص ما إذا كان غيرنا قام بالإعداد للمواجهة المباشرة عن طريق العمل غير المباشر أم لا

      لكني أرى أن جميع التجارب السابقة وإن كانت قد أحدثت تراكما ما فإنه تراكم معنوي مشتت ومتفرق وليس تراكما كميا على صعيد واحد ينبئ بإمكانية حدوث تغييبر نوعي .. هذا إذا افترضنا من الأساس الفكرة الميكانيكة التي يقولها الماديون عن أن التراكم الكمي يؤدي إلى تغيير نوعي – دون مجهود ذكي وواعي يقود هذا التغيير. وأنا بالطبع أختلف معها وأراها كالتالي… See More

      أن التراكم الكمي يؤدي إلى تغير نوعي بشرط حدوث التراكم في نفس الصعيد ووجود مجهود ذكي يعبر بالتغيير الحد الذي من بعده يظهر التحول

      بالنسبة للنص التاني .. لا أظن أن هناك أي علاقة بين فكر الرسول وفكر غاندي أو مارتن لوثر كنج .. ده لا ينفي عبقرية الفكر العسكري المحمدي في كثير من المشاهد .. لكن ده حاجة وده حاجة


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: