Posted by: basem | 11/04/2010

هل كان دون كيشوت مجنونا؟؟ .. عن انسحابي من الحملة

بلغ به الهوس بسير الفرسان أن حمل رمحه المكسور، ولبس خوذته المتهالكة، وانطلق على ظهر حصانه الأعجف ليقوم بما كان يقوم به الفرسان، فينشر الخير والحق، ويدافع عن الضعفاء والأرامل واليتامى والمساكين، وينجد العاشقين والباحثين عن الحرية التي اتخذها غايته ومبتغاه. قالوا عنه مجنونا والحقيقة أنه أقرب ما يكون لذلك. هل كان مجنونا؟ هل كان يبحث عن مجد شخصي؟ هل كان مدعيا أم أنه حارب المدعين تماما كما حارب الأشرار؟ في نهاية الأمر من الأرجح -من وجهة النظر العقلانية الصارمة- أنه كان مجنونا وفاشلا وواهما أضاع سنوات حياته في محاربة طواحين الهواء وقتال النعاج وقطع رؤوس الدمى.

بعيدا عن دون كيشوت، ليس سهلا بالمرة أن تتخذ قرارا سيقول من يقول عنه أنه مؤامرة، ويقول من يقول أنه بحثا عن الظهور، ويقول من يقول أنه هروب. كذلك تعلم أن البعض سيلومونك عليه ويطلبون منك إعادة التفكير ولا يقنعون بكل مبرارتك، ولا يرون إلا أنه لم يكن قرارا سليما. في الحالتين يزيد من صعوبة اتخاذ القرار أنك تعلم جيدا انه ليس تنحيا على الطريقة الناصرية الشهيرة -مع الاعتذار للأصدقاء الناصريين عن قراءتي للتاريخ بهذا الشكل- وأنك لن تعود فيه مهما حدث. فقرارك في النهاية -ويكفيك أنك أنت وحدك تعلم ذلك- ليس تحركا من أجل لفت الانتباه إليك أو جذب الأضواء أو قياس مدى أهميتك، وهو بالنسبة لك أمر أبسط من ذلك بكثير.

أرى الأمر غاية في البساطة، تتسق الأفكار والأشخاص فلا يضير أن نتبع الأشخاص أو نتعاون معهم من أجل تلك الأفكار، وعند نقطة بعينها تجد أن الشخص قد افترق عن الفكرة التي تؤمن بها -أنت على الأقل وليس بالضرورة الفكرة الأصوب- وذلك إما لأنك كنت مغفلا منذ البداية، أو أنه وفقا لطبيعة الأشياء تحولا ما قد أصاب الأمر ككل، أو أنك كنت قد تجاوزت منذ البداية عن صغائر الأمور فتراكمت حتى انكسرت أمام كبائرها وأن قدرتك على التكيف باتت أضعف من احتمال الأمر بشكله الحالي. ويبقى احتمالا آخرا واردا بشدة وهو أنك مصاب بالبارانويا من الأساس وأن الكارثة التي دفعتك للفرار ككل لا تتجاوز حدود عقلك أنت فقط. وهو احتمال وارد على كل حال.

حاولت هذه المرة ألا أكرر أخطائي السابقة وأن أحاول إصلاح المجال الذي أعمل فيه بدلا من الانفصال عنه، فهروب جميع من يعملون من أجل مشروع مشترك في كيان ما من كياناتهم مهما كانت أسبابه ومبرراته لن يؤدي في النهاية إلا إلى مجموعة من الطاقات المبعثرة التي لن تنتج شيئا وبخاصة أنني أدرك تماما أن المجهودات الفردية لا تؤدي إلا إلى نتائج فردية. ولكن ما يحكم قرارات شخص ما دائما هو قدرته على المواءمة بين تكلفة أمر ما والعائد منه إما عمليا أو نفسيا. ولعل كراهيتي الفطرية للفاشية والاستبداد وما يلحق بهما من انفراد بالرأي ومصادرة أو تجاوز أو تجاهل للآراء بشكل أوقن أنه يحول يقينا دون اتخاذ القرار السليم، وهي بالمناسبة القناعات التي أفعل من أجلها ما أفعل بالأساس، قد زادت من كلفة الأمر النفسية والعملية علىَّ إلى الحد الذي أوقعني في تنافر أخلاقي لا أحتمله إلا إذا تحققت لي مصلحة ما يجاوز عائدها المادي أو النفسي الكلفة النفسية والعملية. فضلا عن أنني وبشكل أقل رومانسية أوقن أنه لا يمكن لرأي منفرد أن يصل بمجموعة ما إلى أفضل الحلول.

أتذكر دائما حوارات صديقي الذي أختلف معه دائما وأعتز به دائما أحمد ماهر عند بداية اشتراكي في الحملة: “القماشة كده، ونفس مشاكل 6 أبريل هتلاقيها في أي كيان تاني”. وردي عليه في لحظة صدق منذ عدة أسابيع: “عندك حق، كل الجديد اللي حصل إني بدات أفقد نقائي علشان أتواءم مع الوضع الجديد”. لم أكن أحتمل بسهولة على الإطلاق ذلك الوضع الجديد، منظومة قدس الأقداس والسبعة سدنة الهيكل الذين يحق لهم ولهم فقط الحديث عن والتحدث باسم الإله الجديد -الذي ما زلت أحبه وأؤمن به حتى كتابة تلك السطور. كل ذلك وأنا واحد من السدنة المشمولين بالرعاية، فكيف الحال وأنا أعامَل بعد حين بما كنت لا أطيق أن أعامِل به الآخرين. وحين أعترض في إطار ضيق دون إثارة للفتنة أتهم بالمؤامرة والمناورة وزعزعة الاستقرار وإفساد الرؤية الملهمة على نفس الطريقة التي برر بها كل من انفرد برأيه عبر التاريخ ذلك الانفراد الذي كان عادة ما يقود الأمم إلى هلاكها. وحين واجهت الأمر بشجاعة وحسم سمعت لويس الرابع عشر يقول كلمته الشهيرة: “أنا الدولة والدولة أنا” مع اختلاف الرواية.

لم أكن هناك كي ألتقط الصور مع الدكتور البرادعي، أو كي أبحث عن لقب يضيف قيمة إلى اسمي حين يوضع بجواره، أو كي أحتفظ بصفحات الجرائد والمجلات التي تظهر بها صورتي وتصريحاتي، لم أكن هناك لأدعي النبوة وأحتكر حمل رسالة الإله الجديد وأصنع عازلا فولاذيا بين الجميع وبينه. كنت واحدا من اثنين مسئولين عن إتمام حدث المطار بنجاح وأمان، وهو ما تم بفضل مجهودات وتعاون الجميع، ولم يسعدني حينها إلا ذلك الفخر الذي كنت أتحدث به إلى أمي عندما سألتني: ” شفت البرادعي؟” فأجبت: “ولا حتى شفت عربيته!” نعم كنت فخورا بأنني لم أبرح مكاني إلا بعد انتهاء المهمة بنجاح، وكان يكفيني تعليقي الذي استعرته حينها من معلقة عنترة بن شداد ولم أهتم بأن يفهم مغزاه أحد: “هلا سألت الخيل يابنة مالك .. إن كنت جاهلة بما لم تعلمي .. ينبيك من شعد الوقيعة أنني .. أغشى الوغى وأعف عند المغنم”. حرصت أن يكون مطلبي الأول من الدكتور البرادعي في اللقاء الأول معه أن يلتقي الشباب المائة الذين قام مجد حدث المطار على أكتافهم، حرصت على التأكيد على كون دورنا لا يتجاوز تمثيلهم وأننا الشجر الذي يحجب الغابة وأن انعكاس مجهوداتهم هو فقط الذي انعكس علينا وجاء بنا إلى هنا. من الطبيعي بعد ذلك ألا أحتمل فكرة أن يتم تجاوزي بدوري والإصرار على ذلك عند المواجهة والحديث عن الرسالة التي من المفترض أن تصل إلى من إصدار بيان بخطورة بيان 6 أبريل 2010 دون الرجوع إلى أي من أفراد الحملة وبتوقيع يخالف المتفق عليه وبتحد يتأكد عند كل مواجهة وبشكل يرسخ اعتقادا تنامى طوال الاشهر الماضية عن أنني أخاطب لويسا آخرا.

أود التأكيد ربما للمرة العاشرة على أن إعلاني عن الانسحاب من الحملة بهذه الطريقة لم يكن دافعه سوى حرصي على اسمي مهما صغر وتاريخي مهما قصر وسمعتي التي أظنها طيبة، بحيث لا يرتبط اسمي بكيان لم أعد أنتمي إليه، ولا أحاسب على أخطاء غير أخطائي، وسيسعدني بشدة ان ألام أو حتى ان أحاسب على أخطائي أنا فقط.

أخيرا قد أكون مخطئا في كل ما قلت، وقد أكون مصابا بالبارنويا، وقد أكون مدعيا أو باحثا عن الشهرة أو المجد الشخصي، ولكن في النهاية هذا ما أشعر به وأعتقده وهذه أسبابي. وحيث أننا ابتدأنا بدون كيشوت فلنختم بما قاله لتابعه سانتشو: “الحرية يا سانتشو هي أثمن العطايا للناس ولا شيء يقارن بها، لا الكنوز المكنوزة في الأرض، ولا الكنوز المكنوزة في أعماق البحار، وعلى الانسان ان يجازف بحياته في سبيل الحرية”. لذلك فلا أظن أن شيئا قد يثنيني عن العمل من أجل الحرية تحت أي مسمى كان. والله يوفق الجميع.

Advertisements

Responses

  1. صديقى المحترم دائما

    كنت أشعر أننى أقرأ لنفسى من شدة ما شعرت بكلامك و كأنه نابع منى

    و لكننى لازلت بعد قرائتى بتمعن لكل كلمة كتبتها انت أرى أن الحل كان فى رحيل لويس حتى تبقى فرنسا

    حماقة دون كيشوت ليس فى أنه حاول البحث عن الخير و دافع عن المظلومين .. لكن حماقته فى أنه لم يستخدم الأسلوب الصحيح لذلك … و أعتقد تماما فى أن عهد دون كيشوت كان مليئا بالفرسان الذين يفعلون كل ما أراده دون أن يرتدون الدروع أو يمتطون الخيل

    أنت و اسراء و ناصر تعترضون بقوة على انفراد لويس بالقرار و أظن أن قوتكم مجتمعة كافية لطرده شر طردة أو تقويمه لو كان يخضع للتقويم لكن انسحابك هو اضعاف لهم و تقوية لجبهة الديكتاتورية الجديدة

    • قلتلك قبل كده كتييير
      بجد من أروع الهدايا اللي ممكن أحصل عليها ف يوم هو إطراء من حد بحبه وبحترم عقله زيك
      متخافش يا ريس
      ليه في كتييييير يتعمل

  2. باسم …. قلت كل اللى فى نفسى وزياده خصوصا ما ذكرته بخصوص مقابلة المائه شاب وانك لم تسلم على البرادعى … قد اكون كررت مثل ما قلت على مستوى اصغر بعد زيارة البرادعى للدقهليه … وغضبنا المكتوم -نحن- الشباب الثلاثون الموكل بهم حملة الدعم بالدقهليه من اننا لم نلتقى الرجل ولم نتكلم معه فيما اردنا فعلا ان نستفيده من الزيارده .. واكتفى من اراد من شباب القاهره بالتصوير والشو والاشتغالات … لا تتصور مدى الغضب المكتوم من حراميه الفرح سواء من حزب التجمع او الاخرين …. ولكننا صممنا على العمل ولو حتى كنا مستقلين بشكل تام عن القاهره … وهو بالمناسبه الحادث حاليا …. باختصار وعشان ماكلش دماغك كتير … ارجو ان تستمر معنا ولو بشكل مستقل بعيدا عن الشاعر او غيره … انت من القلائل من شباب القاهره الذين حضروا واحترمتهم …. لى من التعليقات ما سيزيد النار اشتعالا … ولكن ليس هذا وقته …رجائى ان تستمر كفرد محترم وله من الفكر ما يثرينا فى الوقت الحالى … تحياتى

    • تعرف يا برماوي
      أنا بدأت التفكير ده من بعد يوم المنصورة
      حسيت اللي انت بتقوله ده وفهمته كويس
      وكلمت فيه وليد شوقي لساعات طويلة
      بعتذر لو مقدرتش أخلي الدنيا أحسن ولو شوية

  3. استاذ باسم…كلماتك اكدت رأيي المتواضع فيك انا مؤمنه جدا انك من الاشخاص القليله اللى بيدافعوا عن الحرية من غير اي مطامع شخصيه واكبر دليل على كده موقف انسحابك من الحمله في الفتره دي لو انى شايفه ان انسحابك ضرر كبير جدا للحمله..

    • هند

      ردودك هنا وعلى الفيس بوك مخلياني مش عارف أقولك ايه
      شكرا ليكي ولدعمك الرقيق
      أثرت فيا قوي كلمتك عن اللي بيعمل للتغيير واللي بيعمل لمكانه بعد التغيير
      من المبرر أن يكون للجميع طموحات شخصية وأسطورة ذاتية يريدون تحقيها ولكن من غير المبرر ان يكون ذلك على حساب المصلحة العامة، في النهاية قد أكون مخطئ، ولكن لا أستطيع أن أقف أمام كلماتك ودعمك إلا بمنتهى الاحترام والخجل وتقدير مسئولية رأيك الجميل فيما فعلت
      لك كل التحية وأرجو ان يصلك هذا الرد

  4. بعد اقتناعي التام بكلام حضرتك
    ما زلت أرى أن الحل هو أن المخطئ يعاقب إذا تأكد خطؤه
    وهذه شريعة الله في أرضه
    وأن انسحابك خسارة كبيرة للحملة..وأدعوك لإعادة النظر بعد التفكير في المصلحة العامة
    وفي النهاية القرار لك وحدك
    تحياتي

    • شكرا يا كريم
      الكلام ده بيخلي الواحد يحس انه صح بس مفروض يفكر أكتر ويعمل أكتر علشان الناس المحترمة اللي زيك
      أحترم كلامك بشدة وسأفعل ما بوسعي للإصلاح ولو من الخارج
      شكرا لك

  5. بعد ما قريت التدوينة دى انا عرفت دلوقت انت ليه قلتلى يا احمد مش عارف اعبر عن النوت بتاعتك بكلام
    😦

    • شفت بقى المصيبة ؟؟؟؟

  6. سيبك من كل الكلام والاختلاف والجدل والبتاع …. انت بتكتب حلو

    • بعيدا عن كل الكلام والاختلاف والجدل والبتاع
      طبعا دي شهادة أعتز بيها يا ريس

  7. […] تسعة أشهر لم تحدث November 2010 18 comments and 1 Like on WordPress.com, 2 هل كان دون كيشوت مجنونا؟؟ .. عن انسحابي من الحملة April 2010 12 comments 3 إلى مجتمع البرمجيات الحرة المصري ومن […]


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: