Posted by: basem | 07/08/2010

لا انتخابات بدون اشتغالات

لأنني أحترم نفسي لم أشارك طوال الأشهر السابقة سواءا واقعيا أم سيبريا في الجدلية الوجودية عن المشاركة في الانتخابات البرلمانية القادمة أو مقاطعتها لسببين أساسيين؛ أولهما أنني ليس لي في الموضوع ناقة ولا جمل فلا أنا مرشح لتلك الانتخابات، ولا أنا أنوي الترشح لها في يوم من الأيام، ولا أنا عضو في أحد الأحزاب التي تنوي المشاركة أو المقاطعة بحيث أن يؤثر قرار المقاطعة أو المشاركة على مستقبل حزبي – هذا إن سلمنا جدلا بالفرضية السخيفة التي تطرح أن أي من الأحزاب القائمة من الممكن أن يكون له مستقبل سياسي من الأساس تحت مظلة النظام القائم. والسبب الثاني هو الإحساس الثقيل الذي يمتلكني منذ فقداني الأمل في أن تنجح حالة الدكتور محمد البرادعي في تغيير الوضع القائم وإحراز هدف الفوز وإنهاء المبارة السمجة والطويلة والتي لا تريد أن تنتهي. هذا الإحساس يمكن وصفه بدقة بأنه إحساس بالعبث المطلق وبحتمية استمرار النظام المشئوم للحزب الوطني ورئيسه الذي لا يموت الرئيس مبارك باعتباره قدرا محتوما.

وكان أصل ذلك الإحساس بالعبث المطلق هو أنني كنت ولا زلت أرى أن المشاركة أو المقاطعة سواء ما لم تكن إحداهن انعكااسا لاستراتيجية كلية ومتكاملة تهدف جديا لإنهاء تلك المأساة التي نعيشها، ولكن هل يهدف أحد فعلا لإنهاء تلك المأساة. ربما يكون الأصل النظري لتلك الرؤية أشبه بحالة الـ “ما لا نهاية في الرياضيات (∞)” أو مفهوم ” اللاوعي في علم النفس” ففي منظقة اللانهاية تتساوى جميع الأرقام والقيم والاحتمالات فلا يصنع فارقا أن نضيف خمسة أو عشرة أو ألفا أو مليونا إلى ∞ أو أن نطرح خمسة أو عشرة أو ألفا أو مليونا من ∞ لأن النتيجة ستكون في كل الأحوال ∞، وحتى وإن كانت العملية عملية ضرب بدلا من الجمع فإن النتيجة ستكون أيضا ∞ أي أن كافة العمليات التي تجرى في منطقة الما لا نهاية لا تصنع فارقا. وبالنسبة للتشبيه الخاص باللاوعي، فاللاوعي لا يخضع لقوانين الزمن والمنطق  ولذلك تجئ الأحلام -وهي انعكاس مخزون اللاوعي في غيبة الوعي- غير منطقية وغير موضوعية وغير منضبطة زمانيا أو مكانيا. خلاصة ما أريد قوله أنه في بعض الحالات التي ينعدم فيها المنطق وينعدم فيها المعنى وتنعدم فيها القيمة يستوي الشئ ونقيضه بحيث يصبح لا معنى لكليهما. وهي الحالة التي أسميتها هنا بحالة العبث المطلق والتي هي التوصيف الأنسب في نظري للحالة المصرية القائمة بشكل عام وخصوصا في مسألة الموقف من الانتخابات البرلمانية.

في خضم هذا العبث المطلق حضرت منذ أسابيع قليلة نقاشا كوميديا للغاية حول جدوى المقاطعة والمشاركة شارك فيه العديد من الأساتذة والقيادات من مختلف التيارات السياسية في مصر كانت الظروف (مشروع اعتصام لم ينجح) وضعتهم في مكان واحد مغلق لعدة ساعات فراحوا يناقشون مسألة المشاركة والمقاطعة (في الأغلب لأنه لم يكن هناك شيئا أفضل لقتل الوقت). راح الذين اتخذوا قرارا مسبقا بالمشاركة ينظرون للأمر ويفندون حجج وأسانيد الذين اتخذوا قرارا مسبقا بالمقاطعة بل ويتهمونهم بالتقصير وراح الذين اتخذوا قرارا مسبقا بالمقاطعة يفعلون الشئ ذاته، وكان المشترك الأساسي بين الفريقين هو أن كلا منهم راح يلوي عنق الحقائق والتحليلات كي يبرهن على صحة موقفه (أو رغبته إذا أردنا الدقة). ثم بدأت في الاستماع إلى التحليلات الأكثر كوميدية من الطرفين. ففريق المقاطعة يرى أن مقاطعته سوف تحرج النظام وتعريه، وفريق المشاركة يرى أنه سوف يصنع معركة انتخابية شرسة يقاتل فيها ببسالة وبطولية. في الواقع كان مثار الكوميديا إلى حد الغيظ من وجهة نظري أن كلا من الفريقين لم يلتفت إلى أن هؤلاء المجتمعين في تلك الغرفة الأنيقة هم على الأكثر عشرون فردا. وبناءا عليه اتخذت قراري بمقاطعة الحديث في الجدلية الوجودية حول المقاطعة والمشاركة.

وبالرغم من ذلك أعجبني الشعار اللطيف “لا انتخابات بدون ضمانات” الذي سمعته للمرة الأولى في حزب الوفد يوم 20 يوليو 2010 عقب الاجتماع المثير للجدل الذي عقدته القوى الوطنية في مقر الإخوان. وأعجبني الشعار لتشابهه في السجع مع الشعار الذي رفعه الأمريكيون في بدايات حرب الاستقلال “لا ضرائب بدون تمثيل” – “No Taxation Without Representation”، واتفق المجتمعون على عقد مؤتمر تحت هذا الشعار من أجل إقرار الضمانات المطلوبة وتم الاتفاق على الموعد النهائي للمؤتمر غدا الأحد 8 أغسطس 2010 ومن حينها ونحن نطالع سيلا من التصريحات، والأحاديث الصحفية بل والمشادات حول الضمانات المطلوبة والمشاركين في صياغة تاك الضمانات ومن سيشارك في المؤتمر ومن سوف لن يشارك. ويتحدث جزب الوفد عن ” لا انتخابات بدون ضمانات” ويتحدث الإخوان عن ” لا انتخابات بدون ضمانات ”  ويتحدث المستقلون عن ” لا انتخابات بدون ضمانات “، ويشتبك معهم رفعت السعيد لأنه لا يتبني فكرة ” لا انتخابات بدون ضمانات”، ثم أخيرا تطالعنا صحيفة الشروق اليوم السبت 7 أغسطس (ليلة المؤتمر) بخبرين رائعين؛ الوفد يختار 80 مرشحًا لـمجلس الشعب، والإخوان ينافسون على ربع مقاعد البرلمان. هكذا بمنتهى البساطة بدون لا ضمانات ولا يحزنون، علما بأن الوفد والإخوان هما الراعيان الرئيسيان للمؤتمر. ألم أقل من البداية أنها حالة من العبث المطلق؟

Advertisements

Responses

  1. كله بتنجان !
    الحكومة الفاسدة سببها معارضه فاسدة !!

    وهكذا تمضي الحياة …. كنت واثق إنهم مش هيقاطعوا !
    + المسرحية الهزلية إن فيه ناس طلبت تقابل الرئيس !!

    بجد إحنا محتاجين نتحرك خارج كل تلك المنظومة تماماً

    • أتفق معك تماما .. عندما نقول على نظام ما بأنه نظام مهترئ فنحن نتحدث عن شقيه الحاكم والمعارض .. إذ أنه الشق المعارض لو لم يكن مهترئا لاستطاع بيسر التخلص نت الشق الحاكم

  2. أتفق معك تماما فى عبارة ان المشاركة أو المقاطعة ان لم تكن خطوة فى استراتيجية متكاملة فليس لها قيمة ولكن من الممكن ان تكون لها قيمتها الوقتية داخليا فى الكيانات السياسية التى طبعا لن تكون الحصول على الاغلبية البرلمانية أو السعى لتغيير ما على المستوى الوطنى .. اذا فقيمة هذا الجدل الا متناهى هى قيمة ضيقة خاصة بأطراف هذا الموقف .. كل على حدة .. وإنى أذكر هذه الجلسة التى تحكى عنها جيدا ولم تكن غير رغى ما بين الاطراف المختلفة من باب تضييع الوقت .. ولكن تفائل أخى العزيز ، فالواقع انت تعرف كم هو سيىء وتطلع للمستقبل اللذى نتمنى ان يكون أفضل 🙂

    • نعم أنا أعني تلك الجلسة
      من الجيد أننا اتفقنا في الرأي حولها
      أنا لست ضد المصالح السياسية للكيانات وعندما سؤلت أيام مناقشات الجبهة حول المقاطعة والمشاركة كان رأيي تماما كما تقول انت الآن .. كان رأيي أن المقاطعة لن تفيد والمشاركة أيضا لن تفيد طالما لم تكن جزءا من كل شامل وموحد. وطالما انعدمت احتمالات الكلية والشمولية والتوحيد فمن المبرر تماما أن يسعى كل كيان لمصلحته السياسية المباشرة لكن بس ميصدعش دماغنا بجدل لا طائل منه وليتسق مع نفسه ويعلن أناه يسعى لمصالحة التنظيمية وهو شئ مبرر على كل حال طالما اتخذ وسيلة مشروعة لذلك


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: