Posted by: basem | 02/10/2010

عن الديمقراطية

تماما ككلمة “الوطن” أو ككلمة “المجتمع المدني” تعد كلمة “الديمقراطية” واحدة من الكلمات التي على عكس ما قد يوحي كثرة استخدامها وترددها على الألسنة فنادرا ما نجد اتفاقا حول معناها أو تعريفها. لذلك يهدف هذا المقال إلى الوصول قدر الإمكان لمفهوم ضابط وموحد لتلك الكلمة، ولنبدأ بقولنا أنه برغم اختلاف الفلسفات المادية منها والمثالية حول شرح كنه مسألة تقدم الإنسان ومجتمعاته البشرية إلا أن مفهوما غاية في البساطة فحواه أن الإنسان يسعى خلال مسيرة حياته إلى إشباع حاجاته هو مفهوم لا يلقى كثيرا من الاختلاف سواءا نظرنا لتلك الحاجات على أنها حاجات مادية أو حاجات روحية. وهو المفهوم الذي يبدأ الاختلاف من بعده فيذهب المثاليون إلى أن الفكرة أو المثل الأعلى هو الحاجة الكبرى التي تشد مسيرة الإنسان إلى الأمام ويذهب الماديون إلى أن الحاجات الأولية للإنسان هي التي تدفع بتفاعلها تلك المسيرة إلى الأمام وفي كل الأحوال نستطيع نحن أن نفسر كافة الأنشطة الإنسانية في إطار بحث الإنسان الدائم والمستمر والمتجدد عن إشباع لحاجاته.

ويأتي التساؤل، إذا كان الأمر كذلك فما هي المشكلة؟ فنجيب؛ تبدأ المشكلة عند الانتقال من مستوى إشباع حاجة الفرد المفرد إلى مستوى إشباع حاجات المجتمع باختلاف أفراده؛ إذ تبدأ المسألة في التعقد وتبدأ الحاجات في التضارب، حيث أن لكل فرد في ذلك المجتمع حاجته الخاصة التي قد تتضارب مع حاجات أفراد آخرين، ويصبح هذا التضارب أكيدا مع زيادة عدد أفراد المجتمع. فإذا كانت المشكلة دائما كما يقول الاقتصاديون هي لامحدودية الحاجات في ظل محدودية الموارد فإن المشكلة تتفاقم وتتعقد مع زيادة عدد الأفراد في المجتمع، أو بتعبير آخر مع زيادة عدد أصحاب الحاجات وتضارب حاجاتهم على نفس الرقعة من الموارد التي كانت مخصصة لإشباع حاجات مجموعة أقل عددا أو نماذج أقل تعقيدا.

وحيث أن لكل فرد من أفراد الجماعة المكونة للمجتمع حاجاته الخاصة التي يسعى لإشباعها؛ فإن هناك افتراضا أوليا بأن كافة أفراد هذه الجماعة متساوون من حيث أن لهم جميعا حاجة ملحة يسعون جميعا لإشباعها، وهنا تظهر حاجة جديدة تتلخص في ضرورة الوصول إلى نموذج يستطيع فض الاشتباك الناتج عن تضارب الحاجات داخل الجماعة مما يسمح بإشباع حاجات أغلب الجماعة أو أكثرها إلحاحا. لذلك فإن أفراد الجماعة يختارون السلطة ويقومون بمنحها القوة اللازمة التي تقوم بموجبها بترتيب أولويات الجماعة. ويستقيم الأمر ولا تظهر المشكلة طالما اتفقت أكثر الحاجات إلحاحا مع حاجات غالبية الجماعة، باستثناء ما قد يمثله عدم إشباع حاجات بعض أفراد الجماعة الذين يمثلون الأقلية من مشكلة تتضاءل بتضاؤل حجم تلك الأقلية، أو تضاؤل مساحة ابتعاد حاجاتها عن حاجات الجماعة ككل، أو تماسك الجماعة بالشكل الذي يجعل تلك الأقلية تؤمن بضرورة تقديم حاجات غالبية المجتمع على حاجاتها الشخصية. ولكن المشكلة تبدأ عند غياب أحد العوامل السابقة بحيث أن يزيد حجم تلك الأقلية، أو أن تزيد مساحة الاختلاف بين حاجاتها وحاجات غالبية المجتمع، أو أن تفقد تلك الأقلية إيمانها بأن المجتمع الذي تعيش فيه يعمل لصالحها، وتنشأ مشكلة أخرى أيضا في عملية تحديد أكثر الحاجات أولوية، وهي المشكلة التي تأخذ تعقيدها من فكرة نسبية الأولويات ذاتها، حيث أن عملية ترتيب أولويات المجتمع تنضوي في داخلها على فعل خطير هو إغفال مسألة إشباع بعض الحاجات لبعض الأفراد من أجل إشباع حاجات البعض الآخر نظرا لمحدودية الموارد كما أشرنا، وفي أكثر النماذج عدلا ستقوم السلطة القائمة على المجتمع بإشباع حاجات أكثرية ذلك المجتمع وإغفال حاجات أقليته سواءا كانت تلك الحاجات مادية أو كانت معنوية متمثلة في الاعتراف بوجودهم أو إقرار حقوقهم في إعتقاد أفكار تختلف عن الأفكار التي يعتقدها أغلب أفراد المجتمع، وما يترتب على ذلك الاعتقاد من ممارسات أو دعوة آخرين لمشاركتهم اعتقادهم.

إلا أن المشكلة الكبرى التي قد تتولد في هذا الصدد تنشأ بالأساس عندما تقوم السلطة بعد أن فوضها المجتمع بترتيب الأولويات المشار إليها بشكل لا يتفق مع حاجات غالبية المجتمع سواءا كان ذلك لأنها ترى بالفعل أن تلك الأولويات هي الحاجات الأكثر إلحاحا من وجهة نظرها أو أنها تتذرع بذلك السبب وتتخذ من صالح المجتمع ستارا تفسر به إشباع حاجاتها الخاصة بغض النظر عن حاجات المجتمع ككل. هنا تحديدا يمكننا الفصل بين نموذجين من الممارسة؛ يشترك في أولهما كل أفراد المجتمع في تحديد الحاجات الأكثر إلحاحا كما يراها غالبية أفراد ذلك المجتمع، وطرح الوسائل الملائمة لغالبية أفراد ذلك المجتمع لإشباع تلك الحاجات وهو ما يمكننا أن نطلق عليه النموذج الديمقراطي، أيا كانت الطريقة القانونية التي سيقوم من خلالها المجتمع بممارسة تلك الديمقراطية. بينما في النموذج الثاني تستأثر أقلية من المجتمع بحق تحديد حاجات المجتمع الأكثر إلحاحا وكذلك وسائل إشباعها فيما يخدم مصالحها الخاصة بغض النظر عن مصالح غالبية أفراد المجتمع، مستندة في ذلك إلى سلطة الحكم، غالبا مع غياب قدرة الغالبية المحكومة على مراقبة أفعال السلطة أو محاسبتها أو  تغييرها، وهو ما يمكننا أن نطلق عليه النموذج غير الديمقراطي أيا كان نوعه أو اسمه ديكتاتوريا كان أو شموليا أو استبداديا أو ديمقراطيا شكليا.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: