Posted by: basem | 04/12/2010

نحو صناعة لاحركة شبابية منظمة ذاتية القيادة ذات مشروع

في البداية أعتذر بشدة عن طول التدوينة. كنت قد كتبت منذ يومين عن حتمية توحد الشباب الذين يعملون من أجل التغيير والديمقراطية في مصر وضرورة تجاوزهم لمشاكلهم البنيوية التي لازمت موجة النشاط الشبايي التي شهدتها مصر خلال السنوات الأخيرة من واقع إداراك الجميع أننا قد وصلنا إلى القاع وأن اتجاه الحركة الأكثر بداهة هو اتجاه الصعود إلى أعلى. في الحقيقة يرد الفضل إلى أهله، فكتابات ومساهمات العديد من الأصدقاء هو ما جلعني ألاحظ أن الظرف الموضوعي هو أنسب ظروف السنوات السابقة للتحرك في هذ الاتجاه، ورغبتهم في الوحدة وحديثهم عن حتميتها هو ما جعلني أرى الأمر ممكنا وأسعى إلى أن أكون واحدا من هؤلاء الذين يسعون في اتجاهه. ثم جاءت تعليقاتهم المشجعة لتؤكد أننا بالفعل لا نحتاج إلى الكثير من التفكير كي نبدأ في التحرك، فالنية موجودة ومستقرة لدى الكثيرين إن لم تكن لدى الجميع ويبقى السؤال عن ماهية ذلك التحرك.

ليس خطأً كتابيا استخدام لفظة اللاحركة في العنوان، بل هو من وجهة نظري أكثر الأشكال ملاءمة لتحركات الفترة القادمة، وكلمة اللاحركة هي اصطلاح صاغه عالم الاجتماع الإيراني الأصل آصف بايات ليصف “الأفعال الجمعية لفاعلين غير مجتمعين” بحسب وصف بايات نقلا عن الصديق اسماعيل الاسكندراني، فللأسف لم يحالفني الحظ في أن أقرأ آصف بايات وأستمد فكرتي عن نظريته بكاملها من الورقة البحثية القيمة للصديق اسماعيل الاسكندراني بعنوان “تفسير المبادرات الشبابية السكندرية في ضوء نظرية اللاحركات الاجتماعية” (بالمناسبة هي ورقة تستحق بشدة أن تقرأ وتستحق مني الوقوف لديها بتفصيل أكثر من ذلك ولكن في مقام آخر وسأحاول استئذان اسماعيل في إتاحتها للقراءة).

نعود لبايات واللاحركات، فلاحركات بايات وفقا لقراءتي لدراسة اسماعيل الاسكندراني هي تحركات ضخمة لأفراد يتحدون السلطة في حياتهم اليومية عن طريق الفعل المباشر وليس عن طريق الاحتجاج وينتظمون في شبكات غير فعالة تربطها علاقات غير عمدية ويميزهم تجاوزهم للأيديولوجيا وللقيادة وللتنظيم. مثال على ذلك الأعداد الكبيرة من النساء الإيرانيات اللاتي يدلون بعض خصلات شعورهم من خلف الحجاب المفروض عليهم فرضا في بلادهم، أو سكان العشوائيات في مصر الذين يصنعون دولة موازية داخل الدولة التي أهملتهم ويقومون فيها بتخطيط أحيائهم وإمدادها بالمرافق وتنظيم شئونهم بأنفسهم. ولعل عنوان كتاب بايات الذي يتحدث فيه عن تلك الظاهرة يستطيع شرح الأمر، والعنوان هو “الحياة كممارسة سياسية: كيف يغير الناس العاديون الشرق الأوسط“.

ترددت كثيرا قبل أن أقوم بالكتابة عن تلك النظرية كمدخل لتحركاتنا القادمة، فالنظرة السريعة لأحوال الحركة الشبابية في مصر منذ 2005 أو قبلها وحتى الآن تخبرنا أننا لدينا ما يكفي من الأطر النظرية وأننا نواجه أزمة حقيقة في التطبيق، لذا دعونا من النظرية ولنتحدث عن التطبيق ولنأخذ من النظرية ما نريد وما يفيد.

في هذا الإطار نستطيع القول أن الحركة الشبابية المصرية استطاعت أن تصنع أهم نجاحاتها عندما اتخذت شكل اللاحركة بمكوناتها التي ذكرتها منذ قليل وأن مأسسة تلك الحركة ومحاولة تحويلها إلى حركة منظمة كان دائما إيذانا بموتها لا لعيب في شكل الحركة ولكن لغياب مقوماتها في مصر من غياب روح العمل الجماعي نتيجة لانتشار قيم الفردانية والخلاص الشخصي وضعف القدرات التنظيمية للشباب نتيجة التعليم السئ وغياب الممارسة وأيضا اتخاذ الحركات السياسية والاجتماعية كوسيلة سهلة للترقي الاجتماعي والظهور الاعلامي أو حتى تحقيق المكاسب الشخصية في بلد انسدت فيه المسارات الطبيعية لذلك.

لذلك نجح الشباب في تحريك الحالة في مصر في يوم 6 أبريل أو في قضية خالد سعيد وفي غيرها عندما قام الآلاف من الفاعلين الغير مجتمعين بعمل أفعال جمعية غاب عنها عنصر القيادة أو على الأقل القيادة المعلنة أو المعروفة مسبقا وعملت في شبكات مستقلة متقاطعة لا تعتمد على وجود قيادة موحدة تغيب الحركة بغيابها أو تنحرف بانحرافها. هنا يشعر الجميع أن الأمر يخصه هو شخصيا وأنه لا يعمل من أجل بناء المجد الشخصي لآخرين وأن عمله ليس أحد درجات سلم ما سيصعد عليه أحد ليجري اللقاءات التليفزيونية أو يحضر المؤتمرات الدولية ليتحدث بالنيابة عن آلاف الشباب الذين صنعوا التجربة. وبالطبع كان ينفض الأمر وينقض ذلك النجاح بمجرد أن يتم مأسسة الحركة ويعين لها رئسيا أو ممثلا أو متحدثا رسميا.

هذا تحديدا ما نريد أن نفعله نريد لاحركة جماعية تعتمد على الشبكات تنبع قيادتها بطريقة ذاتية من داخلها، الجميع يتناقش ويفكر ويقرر ماذا سوف يفعل، الأمر ليس فوضويا وليس مستحيلا، هل يمكن أن يخبرني أحد كيف تعمل ويكيبديا؟ ومن هو ذلك العبقري الفذ الذي يضع بها كل ذلك القدر من المعلومات التي يمكن الاعتماد عليها؟ (هذا ما أعنيه بذاتية القيادة). وكل ما نريد توفيره كي يحدث هذا هو صناعة الإطار تماما مثلما قام أحدهم بفتح جروب على الفيس بوك لإضراب 6 أبريل أو عمل صفحة من أجل خالد سعيد، نريد فقط أن نتناقش ونقرر سويا هذا الإطار الذي سوف تعمل لاحركتنا في إطاره كي لا يتحول الموضوع إلى مجموعة من المجهودات الفردية المشتتة في أفضل الأحوال والمتضاربة في أسوأها (وهذا ما اعنيه بذات مشروع). إذن هي لاحركة تتجاوز الأشكال التقليدية في القيادة والتنظيم وتعمد إلى الأفعال المباشرة وليس الأفعال الاحتجاجية الرمزية وتتدفق في اتجاه واحد يتفق عليه الجميع ويعمل علي إنفاذه مجموعة كبيرة من الشبكات الغير متصلة بشكل مباشر.

لعل هذه التدوينة هي من أسخف ما كتبت، لأنها على طولها وتعقيدها وسخافتها ونظريتها لا أكتبها لمجرد الكتابة ولكنني أتطلع من ورائها أن تكون محورا لنقاش الأصدقاء الذين تفاعلوا مع التدوينة الأولى ويفكرون -مرة أخرى- في أنه حان وقت الصعود.

Advertisements

Responses

  1. كلام زي الفل بس لأني لم أقرأ كتاب “بايات” أو دراسة “إسماعيل” فهاقول رأيي بناء على ما فهمته من المقال.

    متهيألي إن العنوان في تناقض بين “لاحركة” و “ذات مشروع” لأن أبجديات المشروع إنه يكون في خطة لتنفيذه والخطة دي بتستلزم وجود التزام حركي يعني وجود “حركة”. شايف إننا ممكن نحل الإشكالية دي بإننا نقول “ذات هدف” بدل “ذات مشروع” والـ”لاحركة” دي تبقى مجموعة من البؤر المضيئة المتباعدة واللي بتربطها ببعض روابط واهية جدا لكن مع الزمن ومع الالتزام بالهدف الروابط دي هتفضل تقوى وتقرب من بعض لحد ما توصل للحظة المناسبة اللي تخلي البؤر دي كلها تتحد في بؤرة واحدة كبيرة تعمل تأثير

    لكن لأني مش مؤمن بـ”حتمية التغيير” فالروابط اللي بين البؤر دي مش هتقرب لوحدها وهنا ييجي دور العامل المحفذ بقى catalyst اللي يخلي البؤر دي تشتغل بقوة علشان تسرع مجيء اللحظة دي.

    العامل المحفذ ده بقي أظن هو المثقفين زي ما كتب عمنا بلال فضل في اصطباحته يوم الخميس اللي فات

    معلش باعتذر عن طول التعليق بس حاولت أختصر على قد ما أقدر 🙂

    • لا خالص .. التعليق بالنسبة للتدوينة مش طويل

      النظرة الأولية بتقول ان في تناقض بين “لاحركة” وبين “ذات مشروع” وبين “لاحركة” و”منظمة” كمان. وده معناه إنك قدرت تفيهم بشكل صحيح طرح “بايات”في حدود عرضي له في حدود عرض اسماعيل له.

      لكني هنا عمدت إلى الضبط الاصطلاحي للمفهوم لتحديده على الشكل الذي أريد .. بحيث أن نأخذ من الاحركة تجاوز الأيديولوجيا والقيادة والتنظيم إلى أشكال أكثر مرونة وتبني الفعل المباشر ولكن في حدود إطار مرسوم سلفا (بشكل جماعي أيضا) يمثل المشروع.

      • أفهم من كده إن حضرتك عايز “تقيف” النظرية

        ده كلام كويس ونتناقش فيه بشكل مطول إن شاء الله لما نتقابل يا صديقي


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: