Posted by: basem | 08/01/2011

سيد بلال – كل شئ هادئ على الجبهة الغربية

برغم يقيننا بعد حادث الأسكندرية أن شيئا لن يتغير وأن العدالة لن تأخذ مجراها وأن كل ما هنالك هو قصة مأساوية أخرى تضاف إلى المآسي التي سوف ترويها كتب التاريخ عن تلك الحقبة السوداء، إلا أننا كنا جميعا ننتظر ليلة عيد الميلاد بمزيج من القلق والترقب. هل سيحدث شئ آخر ليثبت أو ينفي شيئا ما لم يكن ليتأكد؟ هل ستضيق الدائرة حول رقاب النظام المجرم أم حول رقابنا؟ هل ستنجح المبادرات الشعبية في زراعة المحبة في القلوب كما لم يكن من قبل في هذا العهد المشئوم أم أن حدثا واحدا غير محسوب سوف يفجر في الصدور ما قد تم شحنه فيها من بغض وكراهية فيشتعل الأمر إلى درجة لم تكن من قبل؟

حملنا أسئلتنا وقلقنا وترقبنا وذهبنا للكنائس إما مصلين وإما محبين، أوقدنا الشموع وتبادلنا التهاني وتصافحنا وفي أعيننا الدموع، علا صمت المحبة والود والتضامن على أصوات ديماجوجيا إكليشيهات الوحدة الوطنية ونفاق المؤسسات الدينية في الناحيتين وشعبوية صفائح الإعلام الحكومية والقومية. عني فقد ذهبت إلى كنيسة كليوباترا وانا أقدم قدما وأؤخر الأخرى وأنا أفكر فيما إذا كنت أفعل ما يجب على فعله أم أنني سأكون بعد قليل أحد مكونات المشهد الشهير الذي يتراص فيه الخصيان على جانبي الطريق حاملين الورود بينما يمر موكب السيدة الأولى لتعلن عن تأسيس كتائب للسلام أو ما شابه ذلك، أو حتى أنني سأكون متهما في تفجير كنيسة كليوباترا بصفتي أحد المسلمين الأغبياء الذين قرروا التواجد في هذا المكان الحساس في هذا الوقت من العام ولم يأخذوا في حسبانهم أن الأمر لا يحتمل رفاهية المجاملات – هذا بالطبع إن لم يتحول جسدي إلى أشلاء تختلط بأشلاء الأخوة المسيحيين.

حمدا لله، فلم يحدث كل ذلك وانتهى الأمر هناك وفي كل مصر بسلام، رفعت الدعوات، ورتلت الصلوات، وخرج المصلون يبتسمون والدموع تملأ أعينهم؛ إذ أنهم تاكدوا الآن أن هؤلاء الواقفين عند مدخل الكنيسة كانوا لا يحملون في أنفسهم غرضا آخرا غير المؤازرة والتضامن، اكتشف كل منا في الآخر شيئا يتجاوز في عمقه عمق العلاقات التقليدية بيننا والتي أصبحت غير ملحوظة بفعل الاعتياد والممارسة اليومية.

في المشهد الخلفي يختطف ضباط أمن الدولة بالأسكندرية سيد بلال من منزله ويقتادونه إلى مقر الجهاز بالأسكندرية (الفراعنة). ربما أرادوا أن يحصلوا منه على ما يرفع عن وزيرهم حرج التقصير الذي ارتبط باسمه لسنوات، وربما أرادوه أن يعترف بجريمة لم يرتكبها، وربما أرادوا منه أن يوشي بأسماء لا يعلم عنها شيئا، عذبوه بوسائلهم المعتادة -التي يستخدمها الواحد منهم بدم بارد ثم يتوقف قليلا لصلاة المغرب أو العشاء قبل أن يعود لاستكمال ما كان يفعله. مات سيد بلال ثم دفن بدون جنازة. نقل المحامي العام لنيابات الأسكندرية دائرة التحقيق إلى دائرة أخرى ثم أعلن أخيرا أن سيد بلال هو مجرم عتيد الإجرام (كالعادة) وأنه قضى في السجن عامين (ويبدو من تكرار الأمر أنهم يعتبرون ذلك مبررا للقتل).

في عام 1928 وبعد مرور عشرة أعوام على انتهاء الحرب العالمية الأولى كتب “إيرك ماريا ريمارك” روايته “كل شئ هادئ على الجبهة الغربية” والتي أخبرنا فيها عن بطل الرواية “بول” الذي انضم مع ستة من زملاء دراسته إلى الجيش الألماني ليحاربوا في الحرب العالمية الأولى ويرفعوا اسم بلادهم عاليا وقد ملكت خيالاتهم أحلام الدولة العظمى، تعلموا في الجيش “أن زرا لامعا في البدلة العسكرية هو أقيم من أربعة مجلدات من فلسفة شوبنهاور، وأن ما يهم ليس هو العقل بل طلاء الحذاء، وليس هو الذكاء ولكن النظام”. أثناء الحرب قتل زملاء “بول” الستة. وفي نهاية الحرب وبعد أن ثاب الكبار إلى رشدهم، قتل “بول” (الذي لن تراه أمه أو حبيبته مرة أخرى ولن يراه أباه وإخوته وأهله وأصدقاءه وزملاءه وجيرانه)، ولكن حتى لا يعكر مقتل “بول” صفو الهدنة، صدر التقرير اليومي في ذلك اليوم مفيدا بأن “كل شئ هادئ على الجبهة الغربية”.

Advertisements

Responses

  1. باسم
    ليه فكرتني بالروايه دي
    دي من أصعب الحاجات اللى قرأتها في حياتي وأثرت فيا
    بصراحه لأول مره مايبقاش عندي كلام اقوله لاني أي كلام هقوله هيبقى كلام مكرر قلتهولك 100 مره قبل كده لما بتحصل أي كارثه زي دي وتكتب عنها
    واتمنى من كل قلبي انى ماضطرش أكتب الكلام دا تاني

    • ياااااه
      انتي فعلا قريتي الرواية
      صدفة جامدة

      معلش بقى اني فكرتك
      مهو الواقع لا يقل مأساوية

  2. فلاش باك 🙂

    • فلاش باك يا سيدي 🙂


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: