Posted by: basem | 26/03/2011

ماذا يفعل الجيش في مصر – محاولة للفهم (1 – 2)

من اللحظة الأولى التي ظهرت فيها القوات المسلحة في المشهد السياسي المصري يوم 28 يناير وحتى لحظة امتلاكها زمام الأمور بالكامل وتصدرها ذلك المشهد والغموض وانعدام اليقين هما شعارات المرحلة. ففضلا عن حالة التعتيم وانعدام الشفافية التي غلفت المشهد السياسي المصري لسنوات طويلة كسمة مميزة للأنظمة السياسية الاستبدادية والمغلقة فإن هذه الحالة من التعتيم وانعدام الشفافية تصل مداها عندما يتعلق الأمر بالمؤسسة العسكرية وهو شئ طبيعي في جميع دول العالم من الناحية المهنية نظرا لطبيعة عمل المؤسسة، ولكن يزيد عليه في مصر وبعض النظم الاستبدادية الأخرى طبيعة علاقة المؤسسة العسكرية بالنظام السياسي وعدم وجود رقابة من البرلمان على ميزانية وأداء الجيش. وما بين هتافات “الجيش والشعب إيد واحدة” وصرخات الثوار تحت تأثير التعذيب بالضرب والصعق بالكهرباء تصل حالة انعدام اليقين المميزة للمرحلة مداها وتطيش التحليلات والتعليقات مع تصاعد أربعة علامات استفهام وتعجب كبرى تتعلق بـ 1) الموقف المتسامح والمشجع للإسلاميين المعتدلين والراديكاليين. 2) الاستفتاء والموقف من الدستور 3) التباطؤ الشديد في تطهير النظام وعدم المبادرة إلا تحت الضغط الشديد من الثوار. 4) التعذيب والمحاكمات العسكرية وانتهاكات حقوق الانسان والموقف من الاحتجاجات وحقوق التظاهر والاعتصام والإضراب.

ولتبسيط التحليل سأحاول طرح افتراضات أربعة قد تفسر علامة الاستفهام الأولى المتعلقة بالموقف من الإسلاميين ثم أحاول في ضوء تلك الافتراضات الإجابة على علامات الاستفهام الثلاثة الأخرى. والافتراضات الأربعة هي:

1) استخدام الإسلاميين كفزاعة على الطريقة الجزائرية: في أكتوبر 1988 اشتعلت الثورة الجزائرية ضد نظام حزب جبهة التحرير الذي كان يحكم الجزائر منذ الاستقلال، ما ترتب عليه إقرار الشاذلي بن جديد رئيس البلاد آنذاك لمجموعة كبيرة من الاصلاحات السياسية التي سمحت بالتعددية وأعطت الشرعية للأحزاب التي كانت ممنوعة من العمل السياسي، وترتب على ذلك تكوين جبهة الإنقاذ الإسلامي وخوضها للانتخابات البلدية وحصدها لمجموعة كبيرة جدا من المقاعد ثم اشتعال الخلاف بينها وبين الحزب الحاكم واعتقال قادة الجبهة ثم خوضها للانتخابات التشريعية بالرغم من ذلك وحصولها على أغلبية المقاعد ما ترتب عليه تدخل الجيش وإلغاء الانتخابات وعودة خكم أو تحكم الجنرالات مرة أخرى عام 1992. وعلى خلفية هذا السيناريو يمكننا النظر إلى موقف الجيش من الإسلاميين كمحاولة لاستخدام فزاعة الإسلاميين كمدخل للعودة للحكم مرة أخرى في المستقبل في ظل تسامح من المجتمع الدولي والمجتمع المصري إزاء هذه العودة كبديل لحكم الإسلاميين. وجدير بالذكر أن السيناريو الجزائري قد أدخل الجزائر في نفق العنف المسلح الذي استطاعت الخروج منه بصعوبة في اتجاه نظام استبدادي عسكري آخر.

2) نصف ديمقراطية يحكمها ويهيمن عليها العسكر على الطريقة التركية: فالجيش كان ولا زال يتمتع بامتيازات أدبية ومادية في ظل نظام مبارك أو نظام يوليو 1952 بشكل عام، ولا أظنه من السهل أن يتنازل عن تلك الامتيازات خاصة في ظل القبول الشعبي العام للمؤسسة العسكرية إثر ما اتخذته في البداية من خطوات إيجابية في مواجهة الفساد وفي تأييد الثورة، خصوصا مع تراجع القوة الثورية وانفضاض مجموعات واسعة من المؤيدين من حول الثوار وانشغال كثيرين بتحصيل المكاسب. ترتكز هذه الرؤية على فكرتين هما: 1) فكرة سيادة العسكريين على المدنيين وعدم قبول العسكريين في الدول التي سادها الحكم العسكري لفترة طويلة ومنها مصر للاحتكام إلى سلطة مدنية خالصة والإئتمار بأوامرها. 2) الامتيازات المالية للمؤسسة العسكرية سواءا من خلال اقتصادها الخاص كمؤسسة والذي لا يخضع لأي نوع من أنواع الضغط السياسي أو الرقابة، أو حتى من خلال انخراط قادتها في مجال الأعمال والمشاريع الكبيرة. وتأسيسا على ذلك على ذلك فإن القوى الإسلامية في مصر تاريخيا هي أكثر القوى استعدادا للتفاوض بشكل دائم وتقديم أكبر قدر من التنازلات ويمكن دائما في نهاية الأمر بعد الحصول على مباركتها إيداعها كاملة في السجون بمنتهى اليسر وسط مباركة شعبية وعالمية لذلك. وفي إطار هذا السيناريو لن يكون من المستبعد محاولة إعادة وجه قديم من أوجه النظام -لكنه ليس مبارك أو ولده على كل حال- أو حتى الانقلاب المتكرر على الحكومات المدنية القوية التي قد تصل إلى السلطة وتهدد السيطرة المطلقة للعسكريين على الأمور.

3) المزاج المحافظ للمؤسسة العسكرية: ولضبط المصطلحات أستخدم هنا لفظة “المحافظ” كمقابل للفظة “الراديكالي”. وهذه العقلية لمستها شخصيا من خلال لقائي بعض قادة المجلس العسكري أو من خلال الحديث مع من تحدثوا معهم. وهي عقلية لا تستطيع إدراك حالات الاستثناء التاريخي الذي تصنعه الثورات وتستمر في التعامل معها بنفس المنطق التدريجي والإصلاحي الذي يخشى خوض المغامرات الراديكالية وإدخال التغييرات الجذرية إلى أي نظام خوفا من انهياره. وهو بالمناسبة موقف يمكن تفهمه حتى وإن لم يكن مقبولا لدى الثائرين. إذ أن “المحافظة” هو أساس العقلية العسكرية في كافة جيوش العالم وبخاصة الجيوش التي تكون مهمتها الأساسية الدفاع وليس المبادرة، وهي جزء من الاحترافية المهنية لأي جيش. هذه العقلية لا تستطيع تسليم البلد بعد الثورة إلا لقوى اجتماعية منظمة وواضحة الأبعاد وقابلة للتفاوض وهي سمات تتوافر بوضوح في القوى الإسلامية التي لا نبالغ عنها إن قلنا أنها القوى الاجتماعية المنظمة الوحيدة إذ أنها لم تخضع لحالة التجريف السياسي التي قام بها النظام السابق بل انعكس ذلك التجريف عليها إيجابا بتقوية وتماسك صفوفها.

4) الانقسام داخل المؤسسة العسكرية: وبرغم أن قيادة القوات المسلحة استطاعت تجاوز عنق الزجاجة في هذا السيناريو عندما انحازت للثوار في لحظة من اللحظات لتجنب مصر ويلات الحرب الأهلية التي تشهدها بلدان كليبيا واليمن إلا أنه من المنطقي أن يظل داخلها موالين للنظام السابق وموالين للثورة تتغير علاقات القوة بينهم من لحظة لأخرى بحسب تغير علاقات القوة على الأرض لدى الثوار وقوة أو ضعف التأييد الشعبي لهم والاتحاد في مواقفهم. لا أستطيع الذهاب على وجه اليقين نحو ترجيح ما إذا كان هذا الانقسام أفقيا أم رأسيا. وأعني بأفقيا أن يكون ذلك الانقسام بين الرتب الأعلى في اتجاه النظام السابق والرتب الأقل في اتجاه الثورة وهو أمر منطقي آخذين في الحسبان أن الرتب الأعلى كانت تحظى بأكبر قدر من الامتيازات في ظل النظام السابق ويمكن اعتبارها دون حرج جزءا منه أو داعما له على أقل تقدير. أما ما أعنيه بالانقسام الرأسي هو الانقسام إلى قطاعات أو أسلحة بعينها في اتجاه النظام السابق وقطاعات وأسلحة أخرى في اتجاه الثورة وهو احتمال وارد أيضا. تأسيسا على ذلك فمن الطبيعي أن يسفر تغير موازين القوى لصالح المجموعة الثورية داخل الجيش في الإسراع بخطوات الإصلاح والتحول نحو الديمقراطية ويسفر عكس ذلك عن استخدام القوى الرجعية كافة الالتفافات الممكنة لعرقلة مسيرة الثورة وتحصيل أكبر مكاسب ممكنة ضدها ومن ذلك استخدام فزاعة الإسلاميين والتباطؤ في التطهير وانتهاك حقوق الإنسان ومحاولة الإيقاع بين الشعب والجيش.

في ضوء الفرضيات الأربعة السابقة سأقوم في التدوينة القادمة بتحليل علامات الاستفهام الثلاثة المتبقية المتعلقة بالاستفتاء والدستور، وتطهير النظام، والتعذيب والانتهاكات والموقف من الاحتجاج. أراكم لاحقا.

 

 

Advertisements

Responses

  1. تحليل رائع يا عزيزى . فالمتابع يلاحظ انقسام داخل الجيش . فيقوم الثوار ليلا كما حدث فى التحرير و كلية الاعلام وصباحا يقدم الاعتذار والتحقيق و التعهد بعدم فعل ذلك . الجيش منتشر فى كل مكان و الذى يخرج من القوات المسلحة يجد مكانا مرموقا كامحافظ او استشارى او مدير هيئة حكومية و للاسف ذلك احد اسبب جمود الادارة المصرية لانها قائمة على فكر العسكر. وليس باليسير ان يستغنى العسكر عن تلك الامتيازات . عزئنا الوحيد ان الثورة قضت على جزء كبير من الفساد وبالتأكيد القادم افضل ان شاء الله . بس مش هايكون مثل احلامنا …..

    • شكرا لردك، في الحقيقة لتعقيد الموقف فأنا أتلهف لمثل تلك التعليقات التي قد توجهنا لأفضل ما يجب علينا فعله. حتى لو لم يكن القادم على قدر أحلامنا فسأكون سعيدا بكونه أفضل إذ أن ذلك يفتح الطريق لأجيال أخرى لتعيش أحلامنا، وهو عمل عظيم إن حدث 🙂 دمت بود

  2. تحليل هايل وبسيط اشكرك

    • الشكر لك يا اسراء – يسعدني انه مفيد ويسعدني تعليقك

  3. أيه الحلاوة دي. تحليل منطقي جدا وكمان مكتوب باسلوب جيد يعني لو انا حد قالي ان ابراهيم عيسى او بلال فضل -بالرغم من موقفه المؤيد للجيش على طول الخط- كنت حصدق.

  4. عايز اشوفك


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: