Posted by: basem | 19/02/2012

دفاع عن جريمة لم ترتكب .. ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين


مقدمة

مشهد كلاسيكي تجوب فيه عربة تجرها الحيوانات شوارع المدينة تحمل فوق ظهرها قفصا كبيرا من العيدان الخشبية بداخله المتهم يجاوره مجموعة كبيرة من كتبه نحو المكان الذي سيتم إحراقه وإحراق كتبه فيه، بينما تهتف الجماهير على جانبي الطريق بمنتهى الحماسة تحقيرا منه ومن هرطقاته من ناحية وتمجيدا لحكمة السلطات التي قررت إحراقه وإنقاذ المجتمع من شروره من ناحية أخرى. المثير في الأمر هو تطابق ذلك المشهد بحذافيره سواءا كان الذين بداخل القفص من الساحرات اللائي تجاورهن كتب السحر والشعوذة أو من أولئك الذين قرروا أن يجهروا بما يعتقدون تجاورهم كتب المنطق والرياضيات والفيزياء والفلك والفلسفة.

مشهد مرشح للتكرار الآن بينما أكون أنا أحد أبطاله الذين سيوضعون في القفص الحديدي لأنهم متهمون فيما يعرف في مصر إعلاميا بقضية التمويل الأجنبي وما يعرف خارجها إعلاميا بقضية المنظمات غير الحكومية وما أعرفه أنا وقليلون عن أنه عقاب للذين جهروا بما يعتقدون، خصوصا وأن في خلفية المشهد مشهدا برلمانيا للأغلبية البرلمانية المنتخبة في “برلمان الثورة” وهي تصفق للنائب المحترم مصطفى بكري (الذي كان يجاور مبارك على طائرته الخاصة بالمناسبه وكان يتلقى تمويلا منتظما لدعمه سياسيا ودعم جريدته من معمر القذافي وصدام حسين وينشر في جريدته العروبية إعلانات لشركات مصرية إسرائيلية وغير ذلك الكثير) وهو يصيح ضد “عملاء أمريكا” الذين يقفون من خلف الثورة، وأيضا لتلك الأغلبية وهي تصيح ضد النائب محمد أبو حامد وتقاطعه وهو يرفع داخل البرلمان فوراغ الخرطوش التي أطلقته وزارة الداخلية (التي لم يتم تطهيرها بعد من قيادات العادلي) بينما ينكره الآخرون داعين إلى تبرير القتل وتحجيم التظاهر (الذي أتى بعم إلى مقاعدهم). تلك الخلفية التي تناظر خلفية المشهد الكلاسيكي المذكور أعلاه حيث كان يصيح آخرون في مقاعد الكنيسة الدائرية (التي تشبه كثيرا مقاعد البرلمان) ضد من تجرأ وجهر بما يعتقد بأنه فاسق وهرطيق، بينما يضربون بأيديهم فوق الطاولات ويدبون بأرجلهم على الأرض مطالبين بإحراقه.

يا إلهي .. الأمر معقد وملتبس .. يجب علي أن أشرح لهم أن هناك فارقا بين نشاطي التطوعي كمؤمن بالثورة والحرية وحقوق الإنسان والديمقراطية وبين عملي كموظف بإحدى منظمات المجتمع المدني الأجنبية. يجب على أيضا أن أشرح لهم أن منظمات المجتمع المدني هي شئ ملازم للديمقراطية والحرية على المستوى وملازم له وأن نشاط تلك المنظمات على المستوى العالمي ليس جرما أو مؤامرة. يجب أن أشرح ما هو المجتمع المدني وما هو الحق في التنظيم وما هو التضامن العالمي من أجل القيم الكبرى. ثم يجب أن أشرح لهم بوجه أكثر عمقا ما هي “فريدم هاوس” التي أعمل لديها وماذا تفعل وماذا تريد. ثم يجب أيضا أن أشرح ما هي قضية التمويل الأجنبي وما هي علاقتها بما يحدث في مصر الآن. أمر شاق ولكنه يستحق، إذا لم يكن ابتغاء للعدالة الرسمية فطمعا في عدالة الأهل والأصدقاء والمقربين الذين سيقتلني بحق أن أرى وجوههم بين صفوف الجماهير التي ستهتف حين أمر في القفص الخشبي بحماس .. أحرقوووه .. هرطيييق.

عن الفارق بين نشاطي التطوعي وبين عملي في مجال المنظمات الغير هادفة للربح:

سيرة ذاتية غير مهنية مختصرة

لا أريد أن أتوقف كثيرا عند تلك التفاصيل الشخصية نظرا لأن هناك ما هو أهم لمناقشته ولكن أستطيع تذكر أنني ابتدأت اهتمامي بالعمل العام عندما كنت طالبا في المرحلة الاعدادية منذ حوالي 15 عاما عن طريق مشاركتي في مجموعة كبيرة من الأنشطة التي يشارك فيها الطلاب في تلك المرحلة وكان من أهمها وأكثرها تأثيرا اقترابي من مجموعات الإخوان المسلمين في مدرستي ومنطقتي -تلك المرحلة هي المرحلة المثالية التي يقوم فيها الإخوان المسلمون باستقطاب الشباب الذين ليس لهم تاريخ عائلي يرتبط بالجماعة- واستمر ارتباطي بمجموعات الإخوان المسلمين لمدة 7 أعوام تقريبا حتى انتهاء العام الأول من دراستي الجامعية. تعلمت الكثير في جماعة الإخوان المسلمين إلا أن أمورا تتعلق بمبدأ السمع والطاعة في المنشط والمكره وطريقة الإدارة الهرمية المحكمة للجماعة وطريقة فهم وتفسير الدين بطريقة معينة وعن طريق شخص ما كانت أهم ما لم يعجبني في الأمر، وبمجرد أن امتلكت ادوات تفكيري وإصدار أحكامي وقراراتي بطريقة مستقلة انفصلت تماما عن ذلك العالم محتفظا بما رأيته خيره ومتنازلا عما ما رأيته شره.

أمضيت سنوات الدراسة الجامعية بعد الابتعاد عن الإخوان المسلمين أعيد التفكير في كافة الأفكار والاتجاهات واستغرق ذلك بحثا وقراءة  في حدود ما أتيح لي من أدوات وما كنت قد وصلت إليه من نضوج يتناسب مع مرحلتي العمرية. تزامن ذلك مع طرح فكرة انتخابات الرئاسة وما سبقها من تأسيس حزب الغد الذي قررت الانضمام إليه في تلك الفترة والعمل معه حتى انقضاء المولد وسجن أيمن نور ثم ابتعدت أيضا عن حزب الغد لأسباب تتعلق بالتنظيم الداخلي وتمحور الحزب حول شخص (مع كامل احترامي وتقديري لذلك الشخص) مما حال دون تأسيس صف ثاني من الكوادر لاستكمال مسيرة الحزب. تركت الغد ولم اترك قناعاتي بفكرة الليبرالية الاجتماعية التي تأخذ من الليبرالية فلسفة الحريات وتنحاز في الوقت ذاته لمن هم تحت في السلم الاجتماعي. اختبرت إيماني بتلك الفكرة عبر اقترابي من المجموعات الاشتراكية الديمقراطية في محاولة مبكرة لتأسيس الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي في 2006 ومن دوائر شباب الاشتراكيين الثوريين في 2008  ومن الدوائر الليبرالية في حزبي الغد مرة أخرى والجبهة الديمقراطية ومصر الحرية في 2010/2011. وفي كل الحالات وجدتني متمسكا بفكرتي عن الليبرالية الاجتماعية وواصفا نفسي بالليبرالي اليساري ما كان محلا للانتقاد من طرفي الطيف السياسي. ولأسباب لها علاقة بعدم تحبيذي لاختيارات الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي الخاصة بتحالفاته الانتخابية لم أنضم له برغم كونه الأقرب لأفكاري ووانضممت كفرد أقل من العادي في حزب التحالف الشعبي الاشتراكي تأكيدا لفكرة كونه مظلة واسعة لأصحاب الانحيازات الاجتماعية من أقصى اليسار إلى أقصاه

في 2008 تحركت نحو مستوى آخر في العمل العام استلزم التزاما أكبر وعملا يوميا وحضورا دائما وكان ذلك حين اقتربت من المجموعات والأشخاص الذين دعوا للإضراب العام في 6 أبريل ثم عملوا على تأسيس حركة شبابية تعمل مباشرة في مواجهة النظام القمعي ومن أجل تحقيق الديمقراطية في مصر. انتقلت هنا لمرحلة مختلفة من النشاط لها علاقة بالبحث عن الخبرات التاريخية والعالمية المتعلقة بمواجهة الديكتاتوريات وتمصير تلك الخبرات ونشرها وتنظيم المجموعات الشبابية من أجل تحويلها إلى واقع ملموس يساهم في التغيير. أمضيت ما يقرب من عامين منخرطا في العمل مع  شباب 6 أبريل ولأسباب تتعلق فقط بالرؤى النظرية والتنظيمية توقفت عن العمل معهم وانتقلت للمساهمة في تأسيس حملة دعم البرادعي لتكون رافدا آخرا للحركة الشبابية ضد الديكتاتورية ومن أجل الديمقراطية في مصر واستمر ذلك لما يقرب من العام أيضا قبل أن أقرر الانسحاب أيضا لأسباب تنظيمية وبذل محاولة أخيرة مع اتحاد شباب حزب الغد في عشية الثورة ثم التوقف تماما عن العمل الجماعي المنظم والاكتفاء بالنشاط الغير منتظم مع المجموعات والمبادرات الشبابية الثورية المختلفة.

سيرة ذاتية مهنية مختصرة

بعيدا عن انحيازاتي الفكرية أو عن التزامي التنظيمي مع هذه المجموعة أو تلك تخرجت من كلية العلوم وقد حصلت على بكالوريوس في الكيمياء وعلوم الحياة وكان ذلك بناءا على اهتمامي في مرحلة ما قبل الدراسة الجامعية بعلوم الجينات والهندسة الوراثية والبيولوجيا الجزيئية ذلك الاهتمام الذي بدأ في التغير في منتصف الطريق ليتحول إلى اهتمام بالإنسان وعلومه الإنسانية ومعتبرا علوم البيئة رابطا مناسبا بين مجالي العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية وبناءا عليه قمت بالتركيز على ذلك الرابط ودراسته باهتمام (والحصول على منحة ممولة أجنبيا لدراسة إحدى مقرراته مع جامعة نوتنجهام الإنجليزية في ضاحية من ضواحي العاصمة البرتغالية لشبونة) ثم عدت للحصول على شهادتي الجامعية ثم بدء حياتي الوظيفية في مشروع ممول أجنبيا من الحكومة الإيطالية بالتعاون مع جهاز الدولة لشئون البيئة من أجل رسم خريطة للتنوع البيولوجي في مصر. انتقلت بعد ذلك للعمل في منظمة مجتمع مدني مصرية ممولة تمويلا أجنبيا تعمل في مجال البيئة ونشر الوعي البيئي والتعليم البيئي لطلبة المدارس. هذا المسار المهني هو مسار متعارف عليه في العالم أجمع ويسمى القطاع الغير هادف للربح Non-profit Sector وعلى سبيل المثال يمثل العاملين فيه 10% من قوة العمل الأمريكية ويتقاضون 9% من مجموع الرواتب والأجور المدفوعة في الولايات المتحدة في العام.

انتقلت بعد ذلك إلى نطاق آخر في نفس القطاع  الغير ربحي وهو مجال المنظمات غير الحكومية العاملة في مجال الديمقراطية وكان ذلك مساعدا لي على التركيز في مجال واحد حيث يرتبط مجالي المهني ووظيفتي التي أتقاضى أجرا في مقابل ساعات عملي بها بنشاطي التطوعي الذي لا أتقاضى أجرا في مقابله ما ساعدني على طرق مجال الدراسة الأكاديمية في هذا المجال ودراسة إدارة المنظمات غير الحكومية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة والاستعداد لإعداد الدراسات العليا في العلوم السياسية بشكل عام. قمت بالعمل لمدة ثلاثة سنوات في مجموعة من المنظمات المصرية العاملة في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان ثم انتقلت للعمل في إحدى المنظمات الألمانية العاملة في نفس الاتجاه ثم انتقلت إلى منظمة فريدم هاوس التي أتهم بالعمل لديها حاليا.

 ملاحظات عن المجتمع المدني والتضامن الدولي:

لن أقوم هنا بإعادة قص ولصق التعريفات الأكاديمية النمطية للمجتمع المدني الغير متفق على تعريفه أصلا وفي الحقيقة أود بشدة الاكتفاء بالتنويه لقراءة تلك التدوينة الهامة والمبسطة بالعامية المصرية للمدون أحمد عوض الله عن المجتمع المدني بعنوان “يعني ايه مجتمع مدني؟” وقراءة بيان الحقائق التي نشرته الخارجية الأمريكية عن منظمات المجتمع المدني في الولايات المتحدة الأمريكية.

ولكنني أيضا أود المشاركة بملاحظات بسيطة تشرح فكرة المجتمع المدني  -الغير متفق على تعريفها أكاديميا تعريفا مانعا جامعا- من مناظير مختلفة. فمن منظور سياسي فإن المجتمع المدني هو حلقة الوصل بين الفرد والدولة من أجل تجسيد مصالح وتطلعات الأفراد والدفاع عنها في مقابل الدولة وهو الساحة الخلفية للسياسة كما يقول جرامشي. ومن منظور اقتصادي يقف المجتمع المدني كقطاع ثالث بين القطاعين الحكومي والخاص فلا هو قطاع غير حكومي ولا يهدف للربح. ومن منظور اقتصادي اجتماعي يقوم ذلك القطاع الثالث بملء الفجوة التي لا تستطيع البيروقراطية الحكومية ملأها بسهولة بينما لا يهتم القطاع الخاص بملأها من الأصل، أما من منظور اجتماعي بحت فالمجتمع المدني هو مجتمع ما فوق الانتماءات الطبيعية الأولية للأفراد كالانتماءات العائلية أو القبلية والذي ينتظم فيه الأفراد في جماعات تتجاوز انتماء الرحم في المجتمع الحديث كالانتماء إلى الدين أو الطائفة الدينية أو ما يجاوز ذلك إلى الانتماء لروابط العمل أو روابط الاهتمامات أو حتى الهوايات المشتركة أو المصالح المشتركة الاقتصادية سواءا كانت انتاجية أو استهلاكية أو المصالح السياسية أوالاجتماعية المشتركة. إلى آخره.

مع تنامي ثورة الاتصال بين أطراف العالم -سواءا أطلقنا على ذلك عولمة أو غير ذلك- بدأت التنظيمات الغير حكومية تأخذ منحى جديدا وهو ظهور المنظمات غير الحكومية الدولية العابرة للحدود، لم يكن ذلك ببعيد عن اتجاه علماء الاجتماع في العالم أجمع للحديث عن تغير مفاهيم الأمن القومي والانتقال من الأمن القومي النسبي إلى مجتمع المخاطر العالمي وظهور المجتمع المدني العالمي الذي يرتبط بالانتقال من الشمولية إلى الديمقراطية والانتقال من العصر الصناعي إلى عصر المعلومات ثم عصر المعرفة. بالمناسبة لا نتحدث عن التاريخ القريب ولكننا نتحدث عن تغير في طريقة تفكير العالم أجمع منذ نصف قرن على الأقل. في هذا الإطار لا أجد الأمر غريبا عندما أدعم الحركة الديمقراطية في ميانمار وأتابع بشغف احتجاجات الرهبان هناك بل قد أتبرع ببعض ما يفيض من راتبي لدعم تلك الحركة. في الحقيقة لم يحدث أن فاض جزء من راتبي كي أتبرع به لميانمار ولكن بنفس المنطق تبرع بعض المصريين لدعم الثوار في ليبيا أثناء معركتهم مع السفاح معمر القذافي وتبرع آخرون بحوالي نصف مليون جنيه من الأدوية أثناء معركة الشباب مع ميليشيات الأمن المركزي في شارع محمد محمود في نوفمبر وتبرع آخرون بملايين الجنيهات لتسيير الحياة في جمهورية التحرير أثناء أحداث ال 18 يوم في يناير.

لا أرى ذلك مختلفا عما يفعله بيتر أكرمان الذي يقال في كل محفل معاد للديمقراطية في مصر أنه يهودي منخرط في المؤامرة الكونية ضد مصر (لا أعلم ديانته على وجه التحديد حيث أن تلك الأمور تصعب للغاية خارج منطقتنا لكني أظن أن بيتر أو بطرس هو أسم مسيحي خالص ولا يتسمى به اليهود، وحتى لو كان يهوديا فالأمر لا يعني إلا هؤلاء الذين تعلموا كره الدين اليهودي لأسباب سياسية  ديماجوجية بحته). ما يفعله بيتر أكرمان أنه استطاع العمل من أجل تجميع مليارات عديدة من الدولارات من خلال مجموعة من المشاريع الصغيرة والمتوسطة وخصصها لخدمة ما يؤمن به وهو أفكار محاربة الديكتاتورية من خلال اللاعنف آمن بها من قبله غاندي في نضاله ضد الاحتلال البريطاني ومارتن لوثر كينج في نضاله ضد التمييز العنصري. يوجد مثل أكرمان الكثير والكثير حول العالم وربما يقال عنهم جميعا في مصر أنهم يهود ضالعون في المؤامرة الكونية ضد مصر أو ضد الإسلام، ولكنني أتحدث عن أكرمان تحديدا الذي قابلته في أحد المرات وعلمت عن ثروته ومصادرها وعما يؤمن به ويضيع ثروته من أجل دعمه حول العالم.

عن حرية التنظيم في مصر وحق المدافعة عن مبادئ حقوق الإنسان:

 لكل فرد حق في حرية تكوين الجمعيات مع آخرين، هذا هو ما استهلت به المادة 22 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية. وبغض النظر عن أن مصر قد قامت بالتصديق على ذلك العهد منذ أمد بعيد إلا أنه الحقوق المتفق عليها في العهدين الدوليين والإعلان العالمي لحقوق الإنسان ومجموعة من الاتفاقيات الدولية الأخرى قد أصبحت منذ زمن عرفا استقر في ممارسات الأمم الحديثة حول العالم. إلا أن ما عرفته مصر أثناء حكم مبارك هو التضييق على الحقوق الواردة في الاتفاقيات الدولية بل في الدستور المصري بالقوانين المحلية ثم التضييق على القوانين باللوائح التنفيذية ثم التضييق على كل ذلك أو تجاهله بالكلية من خلال الممارسات البوليسية للدولة. وهو نفس منطق قانون 84 لسنة 2002 الخاص بالجمعيات الذي يعد الأكثر تقدمية مقارنة بالقوانين السابقة عليه في ذلك الشأن إلا أنه يعد أيضا بالمقاييس العالمية أحد أكثر قوانين التنظيم جورا وقمعا وتضييقا. وهو بالمناسبة الذي ترفض جماعة الإخوان المسلميين التسجيل كجمعية من خلاله نظرا لما تراه فيه من قمعية وتضييق بحسب تصريحات الأمين العام لجماعة الإخوان المسلمين. وهو نفس منطق وزارة التضامن الاجتماعي التي كانت تعتبر أن إشهار الجمعيات والمنظمات في مصر هو اختصاص أصيل لأمن الدولة شأنه شأن كافة أنشطة الحياة في مصر. وهو الأمر الذي لا يخجل منه المسئولون الآن الذين يلوحون بلا خجل أن أنشطة المنظمات الأجنبية العاملة في مجال الديمقراطية في مصر كانت قد رفضت مرارا وتكرارا منذ سنوات بواسطة جهاز الأمن الوطني.

في الدول الديمقراطية لا حديث عن التصريح أو الترخيص لمنظمات المجتمع المدني ولكن هو حديث عن الإخطار وعن الرقابة اللاحقة التي لا تحصي الأنشطة والأنفاس على المنظمات والجمعيات والهيئات ولكن تتأكد من سلامة موقفها في نهاية العام المالي وعدم ممارستها لأنشطة محظورة. وبمناسبة الأنشطة المحظورة فإننا نتحدث هنا عن الأنشطة المحظورة عن المجتمعات الطبيعية مثل الإرهاب وتجارة المخدرات والسلاح والبشر وعسيل الأموال وما إلى ذلك وليس جرائم الفكر والتوعية السياسية ونشر الثقافة الديمقراطية التي لم تخجل الصحف القومية عندما تحدثت بصراحة أنها هي الأنشطة المضرة بالأمن القومي الذي تمارسها المنظمات الأجنبية في مصر. وبمناسبة الصحف أيضا فينبغي التنويه إلى أن المنظمات الأجنبية في مصر تواجه تهما فنية بحتة لها علاقة بمعضلة التراخيص في مصر ليس إلا. ولا إشارة من قريب أو من بعيد للأشياء التي يتحدث عنها الإعلام ليل نهار عن تصوير المنشآت العسكرية بالكاميرات الرقمية في عصر الأقمار الصناعية أو استخدام خرائط تقسيم مصر إلى ثلاثة أجزاء وفقا لتقسيمة المحافظات الانتخابية التي قسمتها اللجنة العليا للانتخابات في مصر والتي صرحت هي ذاتها لتلك المنظمات بمراقبة الانتخابات في مصر.

بالمناسبة فمفهوم السيدة فايزة أبو النجا عن المجتمع المدني الذي لا يهتم سوى بتقديم الخبز للمواطنين هو أمر مغلوط بشكل متعمد. ففي عام 1998 أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة التي كانت السيدة فايزة أبو النجا مبعوثة لديها إعلانا خاصا بالمدافعين عن حقوق الإنسان يختص بأمور أولئك الذين يأخذون على عاتقهم مهمة نشر وحماية حقوق الإنسان في بلدانهم وفي العالم يستهل مواده بأنه من حق كل شخص بمفرده وبالاشتراك مع غيره أن يدعو ويسعى إلى حماية وإعمال حقوق الانسان والحريات الاساسية على الصعيدين الوطني والدولي. ثم تقول مادته الخامسة أنه يكون لهم في سبيل ذلك حق الالتقاء أو التجمع سلمياً  وتشكيل منظمات أو جمعيات أو رابطات أو جماعات والانضمام إليها والاشتراك فيها وأيضا الاتصال بالمنظمات غير الحكومية أو بالمنظمات الحكومية الدولية. وبالمناسبة أيضا وعلى عكس ما يتعمد نشره وإثارته في وسائل الإعلام المختلفة فإن القانون المصري 84 ذاته وعلى عيوبه القمعية العديدة لا يحظر على  الجمعيات من الأنشطة السياسية إلا تلك التي يقتصر ممارستها على الأحزاب السياسية بنص القانون كالترشح للانتخابات أو دعم مرشحين سياسيين بعينهم أو تسيير او تمويل الحملات الانتخابية لمرشحين سياسيين بعينهم دون غيرهم.

عن فريدم هاوس شخصيا:

بعيدا عما يثار في الإعلام الموجه أو على مواقع الانترنت المعروفة التوجه، ببساطة فريدم هاوس منظمة أمريكية غير حكومية تأسست منذ ما يقرب من 70 عاما من أجل نشر الحرية في العالم كما يوحي من اسمها على عكس هوى التيار السائد الذي يدعو للعزلة في الولايات المتحدة حيث اهتمت بالوقوف في وجه الأيديولوجيات الشمولية الكبرى وكان على رأسها النازية والفاشية في ذلك الوقت وهو سر تسميتها “ببيت الحرية” في مضادة متعمدة “للبيت البني “الذي كان يمثل قيادة النازي في جنوب ألمانيا. تحولت بعد ذلك إلى الوقوف في وجه الديكاتورية الاستالينية في أعقاب الحرب العالمية الثانية وتطور عملها مع الوقت لتهتم بفكرة نشر الديمقراطية في العالم بمكوناتها المتفق عليها من تداول للسلطة وسيادة للقانون وشفافية ومحاسبية ورعاية لحقوق الإنسان وحقوق المجموعات المهمشة. يأتي ذلك عبر ثلاثة أنشطة رئيسية هي البحث والمدافعة والبرامج وبتمويل متعدد سواءا من آليات وصناديق الحكومة الامريكية المخصصة لذلك أو من خلال آليات وصناديق حكومات الدول الديمقراطية المختلفة من الاتحاد الأوروبي وحتى أستراليا، بالإضافة إلى جهات التمويل الخاصة المهتمة بهذا الأمر حول العالم أو من تبرعات الأفراد ووسائل جمع التمويل المتعارف عليها في أروقة المنظمات الغير هادفة للربح في العالم الغربي.

يرأس فريدم هاوس مجلس للأمناء يحتوى على 46 عضوا تتراوح خلفياتهم بين مرشحين سابقين للرئاسة وقادة للمنظمات النقابية وباحثين معروفين في مجال الديمقراطية ودبلوماسيين سابقين وإعلاميين وقانونيين وما إلى ذلك. يتغير هؤلاء الأعضاء من وقت لآخر، ومن بينهم من يدعم إسرائيل ومن بينهم من يدعم فلسطين كما هو الحال في أي مكان خارج منطقتنا العربية، من بينهم موظفين سابقين في دوائر الأمن القومي كما أن من بينهم موظفين سابقين في الجامعات أو مراكز الأبحاث الأخرى، منهم اليمينيين ومنهم اليساريين ومنهم على سبيل المثال داليا مجاهد مستشارة أوباما لشئون العالم الإسلامي. خارج مصر والمنطقة العربية يؤمن الناس بما يؤمنون ويختلفون بشكل راديكالي إلا أنهم يلتزمون بأهداف العمل الجماعي الذي يعملون به، وهذا العمل الجماعي في فريدم هاوس هو نشر الحرية ومعاداة القمع سواءا جاء ذلك القمع من أنظمة شمولية عربية أو جاء من إسرائيل التي خفض تقييم فريدم هاوس لها في حرية الصحافة من دولة حرة إلى دولة حرة جزئيا في أعقاب التغطية المنحازة للصحف الإسرائيلية لحرب غزة 2008، أو كسويسرا التي انتقدت فريدم هاوس قرار حظر المآذن بها واعتبرته تقييدا للحريات الدينية.

فريدم هاوس ليست جهة تمويل في حد ذاتها ولا تمول فريدم هاوس وكذلك المنظمات الغير حكومية الأخرى الأفراد في أي من دول العالم وذلك لاعتبارات عدة على رأسها المؤسسية والمحاسبية التي تشترط في المنظمات الشريكة أن تكون منظمات لها نظم إدارية ومحاسبية تسمح بمحاسبتها وبإنجاز الأنشطة المتفق عليها بين الطرفين والتي لا تجاوز فكرة تقوية المجتمعات الديمقراطية حول العالم.

أخيرا

عندما تزدهر الأشواك والأزهار تذبل

ويصير اللص ناطورا لبيت المال والمال على رايته الخضراء في الماخور يبذل

عندما تحتسب العفة جرما ويد الزاني والمأبون تقبل

ألف شكر للذي يقتلني فالموت أفضل

                                                        أحمد مطر

أنا لست أعلم هل ستذكر قصتي أم سوف يعلوها دجى النسيان

أم أنني سأكون في تاريخنا متآمرا أم هادم الأوثان

كل الذي أدريه أن تجرعي كأس المذلة ليس في إمكاني

أهوى الحياة كريمة لا قيد لا ذل لا استخفاف بالإنسان

                                                             هاشم الرفاعي

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: