Posted by: basem | 04/04/2012

محاولة ثانية للفهم .. بمناسبة تراجع سليمان

مقدمة:

كنت أسير وباسم زكريا في ثكنات وسط البلد منذ شهر تقريبا وتطرقنا لنقاش طويل حول الحالة في مصر عاد باسم زكريا ليدونه بعد ترتيبه والإضافة إليه ما جذب انتباه الدكتورة هبة رؤوف التي رأت في تلك التدوينة نواة لمقالة جيدة عن خارطة تلك الحالة وطلبت منا تطويرها. وبعد جولة أخرى من النقاش قمت بتدوين تلك المقالة التي لم يقدر لها أن تنشر وأنشرها الآن مع خبر اعلان اللواء عمر سليمان عدم نيته لخوض الانتخابات الرئاسية بعد أسبوع من الأخبار المتعارضة عن ترشيحه الذي كنت أراه أمرا غريبا في ضوء ما أفترضته هنا من أن السلطة في مصر بها دائرتين متعارضتين من المصالح على الأقل يقع المجلس العسكري في إحداها ويقع اللواء عمر سليمان في الأخرى. ربما تتجاوز مواضيع المقالة تلك النقطة تحديدا وتستعرض مجموعة أشمل من الرؤى كبنية النظام السياسي المصري قبل وبعد مبارك وموقف الولايات المتحدة وأهمية مشروع التيار ما بعد الإسلاموي ومبررات تأييدي لعبدالمنعم أبوالفتوح، ولكن لازالت تلك النقط جميعا صالحة لتفسير أجزاء كبيرة مما يجري ولاعتبارها محاولة جيدة للفهم. وتحتوي تلك المحاولة على أربعة عناوين رئيسية:

  • بنية النظام فيما قبل الإطاحة بمبارك
  • الولايات المتحدة عشية الإطاحة بمبارك
  • اللاعبون في مصر ما بعد مبارك
  • التيار ما بعد الإسلاموي كفرصة لمصر الثورة

بنية النظام فيما قبل الإطاحة بمبارك:

بعد نجاح الثوار في الإطاحة بالرئيس السابق حسني مبارك وبعض رموز حكمه تم تداول مجموعة من العبارات والأفكار الخبيثة الموجهة التي تتحدث عن انتهاء الثورة ونجاحها في إسقاط النظام السياسي وضرورة التوقف والهدوء والاحتفاء بما حققته الثورة من نجاحات، الأمر الذي يثير في الأذهان مجموعة من الأسئلة تدور حول ماهية النظام السياسي في مصر وطبيعة علاقاته وشبكات مصالحه وكذلك عن الموقف المثالي الذي يمكننا عنده القول بأن ذلك النظام السياسي قد سقط على خلفية ثورة شعبية تنادي بإسقاط النظام. أحد أوضح تلك الأسئلة التي دارت في ذهني على الأقل هو سؤال هل كان مبارك هو واجهة نظام يوليو العسكري أم أن المؤسسة العسكرية كانت أحد أدوات نظام مبارك الديكتاتوري؟

قليلا من التركيز يقودنا إلى أن نظام يوليو العسكري تم إعادة ترتيبه بشكل معين في أعقاب حرب أكتوبر ثم معاهدة السلام مع إسرائيل بحيث يمكننا أن نطلق عليه نظام أكتوبر/كامب ديفيد والذي احتفظ في أعماقه ببعض السمات الأساسية التي صنعها نظام يوليو من حيث 1) سيادة العسكريين على المدنيين 2) وانتشارهم في مناصب الإدارة المدنية والسياسية 3) واعتبارهم طبقة اجتماعية مستقلة ذات مميزات وصلاحيات 4) السيطرة الكاملة والمطلقة للجهاز الأمني على الحياة العامة والمدنية. إلا أن ذلك قد أضيف إليه عقب الانتقال من شرعية حركة الضباط التي أيدها المدنيون في يوليو 1952 -والتي قد انتهت بهزيمة يونيو 1967- إلى شرعية الانتصار العسكري في أكتوبر 1973 وما أعقبه من توقيع معاهدة السلام مع إسرائيل مجموعة من السمات الأخرى التي نعتقد أنها تمثل جوهر النظام السياسي المصري الحالي والذي ثارت الجماهير من أجل إسقاطه في يناير 2011.

يمكننا من تلك السمات تمييز فكرة الانتقال من معسكر الانحياز للاتحاد السوفيتي والكتلة الشرقية إلى الانحياز للولايات المتحدة الأمريكية والكتلة الغربية بما يعنيه ذلك من 1) تغيير منظومة التسليح العسكرية والعقيدة القتالية للقوات المسلحة لتكون على النمط الغربي وذلك على المستوى العسكري. 2) الانحياز للمصالح  السياسية والاستراتيجية الأمريكية في المنطقة على المستوى السياسي والاستراتيجي. 3) تبني الفكر الاقتصادي الاجتماعي الغربي القائم على الاقتصاد الحر والتجارة الدولية والذي تتزعم الدعوة إليه في العالم الولايات المتحدة الأمريكية وذلك على المستوى الاقتصادي الاجتماعي. 4) صناعة شكل من أشكال الديمقراطية المدارة من أعلى والتي تسمح بإضفاء طابعا تعدديا شكليا على النظام السياسي ولكن بما لا يهدد جوهر ذلك النظام بسماته التي تم ذكرها.

وهو ما  نتج عنه أن أصبح لدى مصر منذ تلك الحقبة نظاما سياسيا تعددي الشكل يرتبط ارتباطا عضويا بالمحافظة على المصالح السياسية والاقتصادية للولايات المتحدة في المنطقة وإن اختلفت تركيبته ودينامياته الداخلية من مرحلة إلى أخرى في عمر ذلك النظام. فمن تحكم رئيس الجمهورية في مفاصل ذلك النظام في نهاية عهد الرئيس السادات الذي يعتبر مهندس ذلك النظام إلى تحول رئيس الجمهورية إلى ضابط مرور ينظم العلاقة بين شبكات المصالح المختلفة التي تدور في إطار المحددات المذكورة أعلاه مرتكنا إلى القلب الأمني للدولة والذي اتخذ طابعا عسكريا في النصف الأول من حكم مبارك فيما يخدم مصالح الطبقة الاجتماعية للعسكريين التي تحدثنا عنها والتي اخترعها نظام يوليو وحافظ عليها نظام أكتوبر/كامب ديفيد ثم اتخذ طابعا بوليسيا في النصف الثاني من حكم مبارك مع صعود الطبقة الاجتماعية الجديدة المتمثلة في رجال الأعمال الذين بدأوا مع الوقت في منافسة العسكريين في المزايا التي رتبها لهم نظام أكتوبر/كامب ديفيد.

كانت تلك المنافسة كالتالي: 1) احتلت لجنة السياسات المكونة من رجال الأعمال المدنيين موقع المشرف الأعلى على الديمقراطية المدارة التي رتبها نظام أكتوبر/كامب ديفيد لصالح طبقة رجال الأعمال بدلا من طبقة القادة العسكريين التقليدية. 2) مثلت طبقة رجال الأعمال تلك الحليف الاقتصادي الجديد للولايات المتحدة الأمريكية خصوصا مع جنوح الفكر الاقتصادي في الولايات المتحدة والغرب في اتجاه أكثر يمينية نحو السياسات والأفكار النيوليبرالية. 3) بدأت طبقة رجال الأعمال في لعب دور أكثر ترجيحا فيما يخص المصالح السياسية والاستراتيجية للولايات المتحدة مع تنامي دورها في شبه جزيرة سيناء والمناطق الحدودية ومنطقة قناة السويس. 4) دخول تلك الطبقة الجديدة ولو بشكل محدود كلاعب ذو خلفية مدنية في منطقة اقتصاديات التسليح التي كانت مقتصرة قبل ذلك على العسكريين.

وتجاوز الأمر ذلك إلى منافسة طبقة رجال الأعمال لطبقة القادة العسكريين التقليديين في المزايا التي خلفها لهم نظام يوليو ذاته مثل: 1) تعديل المنظومة الأمنية المتحكمة في تفاصيل الحياة العامة في مصر سواءا من خلال الدور غير المسبوق لدولة أمن الدولة وشرطة حبيب العادلي بشكل عام أو من خلال زيادة المكون المدني في دولة جهاز المخابرات العامة لتصبح شبكات علاقاته ومصالحة في خدمة طبقة رجال الأعمال الجديدة بديلا عن دورها التقليدي في خدمة مصالح القادة العسكريين التقليديين. 2) من منظور اجتماعي تهديد مميزات وصلاحيات طبقة العسكريين التي أفرزها نظام يوليو لصالح الطبقة الجديدة من رجال الأعمال. 3) تسلل الكثير من المدنيين المنتمين لطبقة رجال الأعمال إلى المناصب الإدارية والسياسية التي كان يحتلها العسكريون فيما سبق. 4) أخيرا يأتي التهديد الأكبر والذي مثل الحد الفاصل في الصراع والذي تمثل في مشروع التوريث وقدوم رئيس غير عسكري يمثل تلك الطبقة على رأس المؤسسة العسكرية.

الولايات المتحدة في عشية الإطاحة بمبارك:

مع وصول المحافظين الجدد للحكم في الولايات المتحدة وجنوح الفكر الاقتصادي الأمريكي نحو أفكار اقتصادية أكثر يمينية تتمثل في سياسات النيوليبرالية جاءت أحداث سبتمبر لتصيب جزءا أكثر عمقا من العقلية الأمريكية يتعلق بالأمن القومي ما وجه المحافظين الجدد المنتشرين في الإدارة ومؤسسات الدولة نحو نظرية جديدة مفادها أن طريقة الحكم في الدول العربية يعد أحد منابع الإرهاب التي أدت إلى ظهور التنظيمات الراديكالية كالقاعدة التي ولدت بالأساس على يد المجاهدين القادمين من تلك البلدان. أدى ذلك إلى تغير ما في قوة الدعم السياسي من جانب الولايات المتحدة –إدارة بوش- لحسني مبارك والضغط من أجل فتح المجال السياسي والمدني بشكل أكبر، الأمر الذي تراجع على كل حال مع نجاح حسني مبارك في استخدام فزاعة الإخوان المسلمين من ناحية وتراجع شعبية أفكار المحافظين الجدد في الولايات المتحدة بعد تورطهم في العراق وأفغانستان من ناحية أخرى لتعود إدارة أوباما لسابق عهد الإدارات الأمريكية من دعم النظام السياسي المصري بكل شكل ممكن ولكن بعد أن ولدت لدى بعض الباحثين الأمريكيين المهتمين بالشرق الأوسط والغير منخرطين بشكل رسمي في الدوائر الحكومية الأمريكية أفكارا مستقبلية عن علاقة أمريكا بالقوى القادمة إلى الساحة السياسية المصرية حال انهيار نظام حسني مبارك تحت ضغط رفض الشارع المصري وعناصر النظام القديم لمشروع التوريث وطبقة رجال الأعمال الصاعدة واقتراب الأجل البيولوجي للرئيس مبارك.

في الفترة بين 2007 و 2009 ذهب البعض مثل ستيفن كوك إلى أهمية دور المؤسسة العسكرية التي تمثل القلب الصلب للنظام السياسي في تمديد سياسات مبارك من ناحية الحفاظ على المصالح الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة سواءا عن طريق تشجيع المؤسسة العسكرية على دعم انتقال السلطة في هدوء لخليفة مبارك المحتمل جمال مبارك أو عن طريق تشجيع التحول الديمقراطي في مصر تحت إشراف القادة العسكريين لتجنب الصدام المسلح بين العسكريين والقوى الإسلامية ذو التأثير المدمر على استقرار المنطقة وهو المسار الذي سارت فيه الأمور في مصر بعد ذلك.

وحتى ما يبدو أنه قد شاب صفو العلاقة بين القادة العسكريين والولايات المتحدة بعد الإطاحة بمبارك كان أمرا متنبأ به حيث افترض ستيفن كوك في 2009 أن جهود مجموعات الديمقراطية في الولايات المتحدة والتي ستحاول دفع صناع السياسة الأمريكيين نحو دفع الحكام العسكريين في مصر نحو تحقيق انتقال ديمقراطي شفاف، أو محاولات الحكام العسكريين في مصر تجميع قواهم الداخلية وتحرجهم من السير في تفاهمات قد لا تلاقي ترحيبا شعبيا عميقا قد يؤثر على العلاقة قصيرة المدى بين مصر والولايات المتحدة ولكنها لن تؤثر على العلاقات طويلة المدى. في حين ذهب بعض الباحثين في تلك الفترة أيضا 2007/2009 كمارك لينش ومنى يعقوبيان وشادي حميد إلى ما هو أبعد من ذلك بأن ركزوا على ضرورة دعم الديمقراطية من جانب وإدماج الإسلاميين المعتدلين في تلك الديمقراطية من جانب آخر لتجنب السقوط في هوة الإسلاميين الراديكاليين. ويبدو أن محصلة تلك السيناريوهات هي تحديدا ما سار فيه المسار المصري عقب يناير 2011 بل يبدو أن الأمور قد سارت على نحو أفضل مما كانت تتوقع تلك السيناريوهات بما أبداه الإسلاميون المعتدلون والأكثر راديكالية على السواء من تفهم واستعداد للتعاون سواءا مع العسكريين التقليديين في مصر أو مع المصالح السياسية والاقتصادية للولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة.

اللاعبون في مصر ما بعد مبارك:

يمكننا القول إجمالا أن لدينا في مصر ما بعد مبارك جبهتين متضادتين وجوبا هما الثورة والسلطة. بالطبع لم يكن ينبغي للأمور أن تثير كذلك عقب الإطاحة بمبارك في أعقاب هبة شعبية ضخمة كالتي حدثت في مصر إذ أن الوضع الطبيعي هو أن ينتفي ذلك التضاد بمجرد نجاح الثورة، ولكن نظرا لانعدام التنظيم والخبرة السياسية من ناحية لدى معظم الأطراف الثورية، ونظرا أيضا للولاء الزائد أو المحافظة الزائدة التي يتمتع بها القادة العسكريون في مصر من ناحية أخرى والتي جعلتهم يسعون للحفاظ على السمات الأساسية للنظام المثار عليه فقد وقفنا أمام الحالة التي وصفها عالم الاجتماع آصف بايات بحالة الثورات الإصلاحية والتي صكها في الاصطلاح Refolution وهي لفظة يمزج فيها كلمة إصلاح Reform بكلمة ثورة Revolution وهي ما وصفه بأنه الحالة التي يطلب فيها الثوار من ذات هياكل النظام القديم إجراء الإصلاحات الهيكلية التي ينشدونها نيابة عنهم.

الأكثر إرباكا بين هذه الأطراف هو موقف بعض المجموعات المنظمة التي انتقلت بيسر من معسكر الثورة إلى معسكر السلطة كالإخوان المسلمين وتحالف الأحزاب السلفية إلى الحد الذي أصبحت تستخدم معه نفس مصطلحات السلطة ضد الثورة سواءا سلطة حكم مبارك أو سلطة الحكم العسكري كذلك إلى الحد الذي أصبحت تجرم عنده بعض أفعال وممارسات الثورة التي كانت في الأمس القريب جزءا منها. وهذا الموقف على إرباكه إلا أنه يجعلنا مطمئنين لا نذهب إلى التحليل المطروق الذي يقسم اللاعبين في مصر إلى عسكر وميدان وبرلمان حيث أن غالبية البرلمان تجعلنا مرتاحين أيضا ونحن نضع البرلمان في معسكر السلطة مقابل معسكر الثورة إلا في بعض الاستثناءات. أخيرا ينبغي التنويه أننا لا نعتبر الشارع أو العامة أو حزب الكنبة طرفا منفصلا حيث أنه بعيدا عن التقسيمات المذكورة أعلاه لا يبادر ولا يتحرك بشكل استباقي برغم أهميته التي تكمن فقط في كونه مخزونا استراتيجيا محتملا يرجح بتدخله الواسع كفة أحد الأطراف على الآخر. أيضا ينبغي التنويه أن كلمات ثورة أو سلطة في هذا التحليل لا تقصد إلى الوصم أو التقليل ولكن فقط إلى التحليل على أساس مجرد أساسه أن المعنى الدلالي لمفردة الثورة هو عكس المعنى الدلالي لمفردة السلطة.

في جانب السلطة يمكننا تمييز القادمين الجدد من معسكر الثورة إلى معسكر السلطة –أعني القوى الإسلامية التقليدية- والذين يملكون رؤية كلية تختلف عن الرؤية التي انتهجتها وتنتهجها العناصر القديمة في تلك السلطة –أعني العسكريين التقليديين والمدنيين الباقين من الحقبة المباركية- وإن اتفقا معا في بعض السمات الأساسية للنظام كما أشرنا، وهو ما يجعل تلك القوى القادمة منافسا قويا لسلطة العسكريين خصوصا مع تنظيمها المحكم وعمقها الاجتماعي. وهو ما يجعلها أيضا حذرة للغاية في مواجهته 1) نتيجة للخبرات التاريخية السيئة المرتبطة لديها بتلك المواجهة الصريحة 2) وأيضا نتيجة لطبيعتها المحافظة المشابهة له 3) وأيضا لاتفاقها المرتاح معه فيما يخص السمات والمحددات الأساسية للنظام السياسي التي لا تسعى لتغيير الدور الإقليمي لمصر أو سياساتها الاقتصادية والاجتماعية أو حتى وضع حالة الحريات والحقوق الفردية بها. ويمكننا أيضا ان نميز في معسكر السلطة -وتحديدا في جانب الوجوه القديمة في السلطة- خطا آخرا يفصل بين المكون المدني الذي طوره مبارك -حتى من بين بعض من يملكون خلفية عسكرية- ووضع على رأس جهازه الأمني جهاز المخابرات العامة ووجهه الداخلي المتمثل في جهاز مباحث أمن الدولة وشرطة حبيب العادلي والذي كان يعني بشكل أساسي بخدمة مصالح طبقة رجال الأعمال الجديدة ومشروعها السياسي في التوريث، وبين المكون العسكري الذي يعنى بشكل أكثر مباشرة بمصالح العسكريين وكان على رأسه أجهزة المخابرات الحربية المختلفة والذي كان مبارك يقف بينهما كضابط مرور ينظم العلاقة بين شبكات المصالح المختلفة.

من الواضح أن الترتيبة الأمنية الجديدة التي يسعى إليها الحكام العسكريون الجدد هو تغليب وفرض سيطرة النظام الأمني المرتبط بمصالح طبقة العسكريين على النظام الأمني المرتبط بمصالح طبقة رجال الأعمال. يعكس ذلك الصراع الأصيل الذي دار بين الطبقتين في أواخر عهد مبارك والذي أشرنا إليه في بداية المقال. ويبدو أن وضع قائدا للمخابرات الحربية على رأس جهاز المخابرات العامة كان يهدف إلى ذلك، ويبدو أيضا أن ذلك لا يروق لجهاز المخابرات العامة الذي لا زال يدافع بشراسة عن استمرار مصالح طبقة رجال الأعمال وشبكاتها العميقة. بالمناسبة، أعتقد أن شبكات الدولة العميقة هي تكوينات أكبر من الأفراد وأنها شبكات تعمل ذاتيا من أجل تحقيق مصالح بعينها حتى وإن سقط منها بعض أفرادها الذي تلفظه وتلتئم من دونه وتستمر في عملها من غيره.

في جانب الثورة تبدو الأمور أقل تعقيدا فسواءا كنا نتكلم عن القوى الليبرالية أو اليسارية أو الإسلاموية الثورية أو ما بعد الإسلاموية أو الشعبية الغير مسيسة فالطابع الفردي والتلقائي وغير التنظيمي هو السمة المميزة لذلك المعسكر وإن كان ذلك لا ينفي وجود المجموعات الصغيرة المنظمة هنا أو هناك. فالثورة قامت على أكتاف شبكة واسعة للغاية ورخوة للغاية من الأفراد والمجموعات الصغيرة، وهو الحال الذي استمر في دفع الأهداف الثورية بعد الثورة دون تطورها لتشكيل تيار اجتماعي منظم أو أكثر لتمثيل تلك الأهداف في الإدارة. غني عن الذكر أن ذلك النموذج وإن كان هاما للغاية من أجل النجاح في إشعال الثورة ذاتها والتسرب من بين ثقوب الجهاز الأمني للسلطة إلا أنه يمثل في الوقت ذاته عيبا هيكليا يمنع الثورة من إتمام الوصول للسلطة وتحقيق أهدافها كاملة، وهو الخلل الهيكلي الذي لا يفصل الثورة عن النجاح سوى إصلاحه سواءا على مستوى التيارات الثورية الخمسة مجتمعة –وهو أمر أستبعده- أو على مستوى اتحاد واحد أو أكثر من تلك التيارات الثورية.

التيار ما بعد الإسلاموي كفرصة لمصر الثورة:

برغم كوني ليبراليا ليس لدي مشكلة هيكلية في أفكار السوق الحر أو التجارة الدولية أو العلاقة بالغرب، وعلمانيا أؤمن بضرورة الفصل التام بين الدين والسياسة وعدم اعتبار الدولة راعيا رسميا للدين والأخلاق إلا أنني قد رتبت التحليل السابق بالكامل بناءا على الملاحظة الموضوعية لسير الأمور بعيدا عن أية انحيازات مسبقة وعلى ذلك أيضا أرتب فرضيتي الأخيرة في هذا التحليل والتي ترى أن حل معضلة الثورة والسلطة في مصر تكمن في نجاح تنظيم التيار الثوري الذي أطلقت عليه بالأعلى التيار ما بعد الإسلاموي وهو مصطلح قام بصكه آصف بايات أيضا وعرفه بسمتين متلازمتين هما 1) التصالح مع تدين المجتمع ومع التعبير عنه بشكل علني من ناحية 2) وتبني آليات حكم مدنية ديمقراطية مدنية تحمي الحقوق والحريات من ناحية أخرى وأضاف لهما الصديق الباحث إسماعيل الاسكندراني –الذي قام أيضا بترجمة مصطلح إسلاميزم إلى إسلاموية وليس إسلامية للتفريق بين Islamist و Islamic- سمة أخرى هي 3) عدم استخدام الخطاب الديني في قضايا الجدل السياسي والتعبئة الحزبية.

افترضت الطروح الخاصة بدمج الإسلاميين (الإسلامويين) في العملية السياسية أن ذلك سوف يجذب إلى الساحة السياسية التيارات الإسلامية الأكثر اعتدالا التي تقبل الانغماس في تلك العملية في مقابل ضمور المجموعات الراديكالية الأخرى هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن الانخراط في تلك العملية السياسية سوف يقود تلك التيارات إلى أرضيات أكثر اعتدالا. هذا الطرح هو صحيح في مجمله ولكن ينبغي علينا أن نتذكر في النهاية أن جودة هذا الطرح تأتي من منظور جودة العلاقات مع الولايات المتحدة التي لا أعاديها بشكل شخصي ولكن قادنا التحليل إلى أن محاولة الحفاظ على نمط الحكم المحدد بمحددات المصالح المرتبطة بمصالحها الاستراتيجية والاقتصادية هو أحد أهم أسس العلة في النظام السياسي المصري. أما من المنظور التقدمي للثورة فإن الخروج من تلك الدائرة يكون بتبني مشروع وطني يجمع بين 1) الحريات العامة والفردية 2) والانحياز الاجتماعي 3) واستقلال القرار السياسي في آن واحد وهو ما يعتبر تمام تقويض النظام السياسي الذي قامت ضده الثورة. وهو بالضبط ملامح مشروع المجموعات ما بعد الإسلاموية التي لازالت تحتفظ بقدرة جيدة على التنظيم ناتج من انخراطها في العمل التنظيمي مع المجموعات الإسلامية التنظيمية بالإضافة إلى انفتاحها الفكري والسياسي وانحيازها الاجتماعي الذين كانوا أسباب رئيسية في انفصالهم عن التنظيمات التقليدية للإسلاميين. إضافة إلى ما يتمتع به ذلك التيار من ميزة أنه التيار الوحيد القادر على الصمود في وجه القدرات التكفيرية لتيارات الإسلام الكلاسيكي ما يذكرنا بفكرة معارضة الإصلاحيين للمحافظين في إيران والذي تجسد وبلغ ذروته في الحركة الخضراء التي عارضت أسس الجمهورية الإسلامية الإيرانية. وفي جيل ما بعد الأيديولوجيا سيكون انحياز مجموعات وسطية أقل تطرفا من جانب الليبراليين واليساريين إلى جانب تلك التيارات أملا جيدا لتكوين تيار مجتمعي رئيسي يمكنه من المنافسة وإنفاذ أهداف الثورة إلى المستوى الإداري في الدولة.

Advertisements

Responses

  1. تحياتى لطرحك يا باسم 🙂
    عندى كذا تعقيب , أولها ,أعتقد ان معضلة الثورة والسلطة كان مصدرها الأصلى هو إستفتاء مارس الذى على ما أحدثه من إستقطاب ,فقد أظهر اللاعبون الجدد على الساحة تمهيداً للتعامل معهم كلاً على قدره من قبل العسكر ,
    ثانياً : مؤسف أن مقال بالتماسك ده يتطرق لعبارات ومصطلحات أراها خارج السياق مثل “حزب الكنبة ” ,لأن فى تصورى أحد أهم اخفاقات الثورة وعزلة الثوار فى مواجهة العسكر والقوى الاسلامية المنظمة هو النظرة الفوقية للشعب اللى تم التنظير ليها بعد الثورة مباشرة وإعتبارهم طرفاً هامشياً على المسرح !!!
    أخيرا: نجاح عبدالمنعم أبوالفتوح قد يولد -ولأول مرة- صراعاً (إسلاموياً-إسلاموياً) بالنظر لفكره الاصلاحى فيما يتعلق بجماعة الاخوان ووضعها الهيكلى الأمر الذى يتعارض -كلياُ- مع الفكر القطبى الصدامى الحالى لبديع ,وهذا ما يجعلتا نفهم عدم دعم الجماعة له !
    تحياتى مرة أخرى


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: