Posted by: basem | 20/11/2012

محمد محمود نوفمبر 2011

انتهت تلك الجمعة .. 18 نوفمبر 2011 .. كنا قد اتبعنا ما تمليه عليه ضمائرنا دون حسابات ونزلنا رافضين للوصاية العسكرية على الدولة في الدستور الجديد التي حاول السلمي تمريرها عبر وثيقته الشهيرة. كنا من السذاجة أن اعتبرنا أن مجرد تنحية الحكم العسكري عن السلطة بمصر كفيل بإقامة دولة العيش والحرية والعدالة والكرامة التي حلمنا بها، وكنا من السذاجة أيضا أن تجاهلنا عن قصد ألاعيب ما تحت الطاولة ما بين العسكر والإسلاميين، وكنا من السذاجة كذلك عندما أصغينا لذلك النداء الأحمق “فليثق الأعزل بالأعزل”. لم نكن حينها “إيد واحدة” كما كنا قبل ذلك ولكن كنا “شعبين” يجمعهم ميدان واحد ومطلب واحد فقط لا غير. هم بأزيائهم وأعلامهم السعودية والأفغانية أو بلحاهم الخفيفة ومعاطفهم الجلدية التي تبدو لك موحدة من فرط تشابههم. ونحن بملابسنا الملونة وضحكاتنا الصاخبة وتنوعنا اللانهائي. في كل الأحوال كان صفوت حجازي -ولم يكن قد تبين لنا قدر حقارته كاملة بعد- يبيع الميدان بأكمله بمن فيه أمام التلفاز على أن جميع من فيه هم من أفراد قبيلته. انتهى اليوم وانصرفنا إلى مسرح روابط لنشاهد “التحرير منولوج” لنتذكر أجمل أيامنا وأكثرها إيلاما – فلم تكن أيام محمد محمود قد بدأت بعد. عدنا بعد ذلك بعد أن خلا الميدان إلا من خيمتين، أحدهما لمصابي الثورة المعتصمين من قبل ذلك والمهملين دائما والأخرى لبعض الزملاء كان من بينهم صديقنا محمد المشير. تسامرنا طويلا وأخذنا في السمر والغناء حتى الفجر ثم انصرفنا جميعا محاولين إقناع مشير ورفاقه بالإنصراف إلا أنهم أصروا على البقاء. وذهب كل منا إلى بيته.

استيقظت عصر السبت على أخبار مهاجمة قوات الأمن المركزي لمصابي الثورة ومطاردتهم والاعتداء عليهم. أولئك الذين فقدوا سلامة أجسادهم من أجل ألا يهان آخرين لا يعرفونهم فأهملوا وأهينوا. إلى الميدان إذن والأمر لا يحتاج لكثير من الحسابات أو الانتظار. قابلت طاهر ولؤي ونجاتي في محطة المترو وقمنا بشراء الشالات والخل لمواجهة الغاز ووصلنا إلى الميدان مع حلول الليل. انضممنا لباقي الأصدقاء وكان محمد مجدي قد أصابته طلقة خرطوش في بطنه قبل وصولنا بقليل، وانضم لنا أخي سمير بعد قليل في أول معركة مشتركة أجرب فيها ذلك الإحساس اللعين الذي تحسه أمهاتنا ونحن نقوم بتلك الأعمال الجنونية الانتحارية التي نطالب من خلالها بحريتنا وكرامتنا. كانت الأعداد قد تزايدت إلى حد ما ولكن بالشكل الذي كان معه ملء الفراغ الاستراتيجي في الميدان فقط ليس عملا كافيا على الإطلاق. دارت الإشاعات المعتادة حول الهجوم القادم من ناحية قصر النيل فقررت مجموعتنا تأمين تلك الجبهة برغم اتساعها علينا ولكن أذكر أننا نجحنا في ذلك.

كان العدد في الميدان قليل، وبقينا على بوابة قصر النيل حتى ما بعد الفجر تخلل ذلك ذهاب بعضنا -ولم أكن منهم- لجبهة القتال داخل شارع محمد محمود وتخلل ذلك أيضا حضور جميلة إسماعيل إلى الميدان كأول شخصية عامة تزور الميدان في ذلك اليوم، ثم محمد البلتاجي وكنا حينها لازلنا نظنه مختلفا عن إخوانه في التنظيم بحيث يمكنه أن ينحاز إلى الحق فقط ودون حسابات وهو ما تبين لنا خطؤه لاحقا. كذلك زار الميدان حازم صلاح أبو إسماعيل الذي وللحق لم يكن يستقر فيه طويلا وكان يتكلم أكثر مما يفعل إلا أن وجوده دائما كان سندا معنويا هائلا من ناحية وأنصاره المتحمسين كانوا سندا لا بأس به للواقفين على خط القتال. في نهاية الليلة حاولت النوم قليلا على الأسفلت المقابل لمبنى جامعة الدول العربية حيث لم تكن الخيام قد نصبت بعد واستمر ذلك حتى اقترب الصباح وبدأت الأعداد في التزايد والاشتباكات في التوقف بالشكل الذي يسمح لي أن أغادر.

برغم وجودي هناك طوال أيام الاشتباك وحتى نهاية الأسبوع إلا أن ما سبق هو كل ما أستطيع تذكره بشكل مرتب سواء من حيث الشخصيات أو الأيام، ولا أستطيع أن أذكر ما حدث بعد ذلك إلا في صورة مشاهد منفصلة وغير مترابطة لا أستطيع أن أذكر هل حدثت في اليوم الأول أم الثاني أم الأخير. أذكر من ذلك محاولتي الوحيدة للدخول إلى داخل الشارع والاشتباك وليس التواجد للدعم أو حفظ التوازن الاستراتيجي أو حتى الاشتباك على الجبهات الواسعة جيدة التهوية والمجهزة للفرار السريع. في الواقع أنني أعرف عن نفسي ويعرف عني الأصدقاء أنني لست شجاعا أو لائقا بالقدر الذي يمكنني من الاشتباك في مكان مغلق ومظلم وملئ بالدخان كشارع محمد محمود ولكن حماسة اليوم وغيرتي من شجاعة المقاتلين على الصفوف الأمامية وبعض الأصدقاء دفعتني للدخول إلى شارع محمد محمود وعدم الاكتفاء بالاشتباك على جبهة شارع القصر العيني. ويبدو أنني كنت الأكثر قدرة على تقييم قدراتي، فمباشرة بمجرد أن دخلت ودون إنجاز يذكر في رمي الحجارة استقبلت قنبلة من قنابل الدخان تحت قدمي مباشرة سببت لي ضيقا هائلا في التنفس وجعلتني شبه فاقد للوعي لولا مساعدة بعض الشباب لي على الخروج قليلا ثم مساعدة مالك عدلي لي على استعادة تنفسي الطبيعي وتوازني.

أذكر أيضا صورة مصطفى النجار بالبدلة البيضاء المتأنقة وهو يقف في وسط الميدان في أحد الأيام. بالنسبة لي تتضارب مشاعري دائما تجاه أولئك الناس -الذين كان أغلبهم أصدقاء ورفاق النضال في يوم ما- هل علي أن أستمر في احتقارهم كما أحتقرهم دائما ويحتقرهم جميع من أعرفهم أم على أن أشكر لهم تواجدهم في الوقت الذي قام فيه غيرهم بالتنصل من الأمر ككل واعتباره ليس موجودا كما فعلت القوى المدنية أو مهاجمته وتشويهه واستنكاره كما فعل الإخوان. بالمناسبة، أذكر كم كان شعورا ثقيلا أن تشعر أنت وتلك الحشود التي تقف إلى جوارك ساحبة الشرعية عن حكم العسكر بهتافاتها “يسقط حكم العسكر والشعب” و”الشعب يريد إعدام المشير” كما منحته تلك الشرعية بهتافها قبل ذلك “الجيش والشعب إيد واحدة” أنك وحيد ومنبوذ وأن الجميع قد اتخذوا قرارا مسبقا باقتسام دماءك على موائد التفاوض على السلطة.

أذكر أيضا الإشاعات المتكررة -عن أرتال الدبابات التي تتحرك من صلاح سالم نحو الميدان لفضه- والتي اعتدنا على تجاهلها فيما بعد، وأذكر اجتماعا دار داخل الميدان في اليوم قبل الأخير أو قبل ذلك ضمني أنا ومالك عدلي ومرصفاوي ورجب ونوارة نجم وسامية جاهين وعمرو إمام وآخرين لصياغة مطلب سياسي للتفاوض والنشر، كان شعورا رائعا أن يخرج المطلب السياسي من قلب الميدان وليس من غرف مكيفة في مكان آخر ما. كانت المطالب لا تخرج عن إطار المحاسبة وتسليم السلطة والمجلس الرئاسي الذي أصبح بعد ذلك مطلبا عاما أفسده تخاذل الكبار وترددهم وعدم قدرتهم على الاتفاق وبالطبع خطاب المشير طنطاوي عن تسليم السلطة .. كانت “محمد محمود” معركة من نوع خاص .. أنت تحارب وحدك والجميع ضدك بالسلاح وبالكلمات .. ليس لديك فرصة للنصر أو أمل فيه وعليك فقط أن تقاتل حتى تموت أو ينتهي الأمر .. في الأغلب بلا شئ .. أصبحت أيضا عبارة “مجلس رئاسي مدني” أحد أهم “القلشات” التاريخية التي خرج بها جيلنا من تلك الأيام الثقيلة المليئة بالطهارة والحماس مع مجموعة لا بأس بها من التشوهات النفسية والذكريات الأليمة والعميقة والصادقة .. والرغبة في الانتقام.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: