Posted by: basem | 12/04/2013

دفاعا عن الوسطي الحزين

أولا .. أنا لا أقول ما يرضي هذا أو ذاك .. أنا أقول ما أعتقد فيه

ثانيا .. كنت أود بالأساس أن أجعل عنوان تلك التدوينة “دفاعا عن الليبرالية”.. ولكن في هذا الزمن الصعب سيعتقد البعض أنني أدافع عنها ضد تطرف الإسلاميين، ولن يتخيل أحدهم أن زماننا من الصعوبة للدرجة التي تضطر عندها أن تدافع عن ليبراليتك ضد تطرف الليبراليين.

ثم أما بعد؛

قرأت اليوم المقالة التي كتبها الأستاذ محمد خير بجريدة التحرير تحت عنوان “الوسطي الحزين في زمن التمكين” والتي انطلق منها من مقدمات يتفق عليها كل أنصار الديمقراطية والليبرالية، ليمر بأمثلة تاريخية قديمة وحديثة منطقية ومقبولة، ولكن لينتهي إلى نهاية مفادها أن الشيخ الحبيب علي الجفري رجل شرير. ذلك أنه يدعو إلى أفكاره -التي يختلف معها الأستاذ خير وقد أختلف مع بعضها أنا أيضا- وهو رجل شرير كذلك لأنه يحب أن يرى ما يعتقد فيه واقعا ملموسا ويتخذ إلى ذلك الدعوة والتدرج سبيلا، وهو شرير كذلك ليس لأنه قال كلاما ما، ولكن لأنه لم يقل كلاما ما، فيقول الأستاذ محمد خير:

تقرأ للحبيب الجفري (وسطى، أقنع حنان ترك بأن التمثيل حرام)، كلمات حزينة تنتقد سلوكيات الإسلاميين، لكن الجفرى لا يقول لنا هل يمكن إقامة «المشروع الإسلامى» بغير تلك السلوكيات.

لا أنكر أن الممارسات الشنيعة لأنصار فكرة الإسلام السياسي قد أصابتني أنا أيضا بالصدمة وأقامت بداخلي بشكل تدريجي شكوكا لا بأس بها تجاه كل من يصف نفسه بأنه إسلامي فسحبتني من منطقة الرهان على مشروع الإسلام السياسي الوسطي كتطوير لأيديولوجيا الإسلام السياسي ووضعها في إطار يمكنني كليبرالي علماني التعايش معه إلى المنطقة التي أتحسس عندها مسدسي بمجرد معرفة أن هذا الشخص أو ذاك “إسلامي”. ليس سرا كذلك أنني مع الأداء المبهر في فظاعته -وأحيانا كثيرة في وضاعته- الذي يؤديه الإسلاميون في الحكم تحولت تدريجيا من علماني يدعم مشروعا مشتركا “إسلاميا-علمانيا” مضادا للاستقطاب إلى أحد المتمترسين بريبة خلف متاريس أحد قطبي ذلك الاستقطاب.

مع ذلك .. فلازال من المزعج بشدة لليبراليتي أن أحاسب أحدا على ما لم يقله .. ذلك أنني أؤمن بحرية الضمير، أو أن أحاسب أحدا على ما يقله .. ذلك أنني أؤمن بحرية الرأي، أو أن أحاسب أحدا على التزامه بنشر ما يعتقد فيه .. ذلك أنني أؤمن بحرية الاعتقاد. دعني أقول لك قبل أن تجرني لمساحات “لا حرية لأعداء الحرية”، “وماذا لو كان ذلك الرأي تحريضا على القتل”، “وماذا لو كان ما يعتقد فيه فلان ينضوي على مصادرة لحريتي” أنني لست من أؤلئك المثاليين الذين يدافعون عن حرية القاتل في أن يقتلني، وأنني كذلك من الذين يشاركون بحماس في كافة المعارك العنيفة التي تدور بيننا وبين “أعداء الحرية”، وأنني فوق ذلك وذاك قد نقيت كامل دوائري منهم لدرجة أنني لا أصافح من كنت أعرفه منهم قبل ذلك. ولكن لأنهم فعلوا ليس لأنهم قالوا، وبالتأكيد ليس لأنهم “لم يقولوا”.

أنا أكره حزب الوسط ليس لأن اسمه كذلك ولكن لأنه يدعم صراحة سياسات “أعداء الحرية” الذين يعادونها بالقول وبالفعل، بالقانون وبمخالفة القانون، ولأنه قد أظهر كالشمس أنه سيفعل ما يفعله “أعداء الحرية” إن جلس على كراسيهم. أما أن نحاسب الناس على ما لم يفعلوه بل ما لم يقولوه فهي ممارسة يعج بها التاريخ من محاكم التفتيش في أوروبا إلى الماكارثية في أمريكا وأظن أن ذلك من أشد ما نخالف فيه الإسلاميين. وليس ثمة وسيلة لتحويل حياتنا إلى جحيم أنسب من محاسبة الناس على نواياهم.

بالتأكيد سأوصف بناء على الفكرة التي طرحتها بأنني “علماني وسطي” وبالتأكيد أن هناك أحدهم يرى أنني كـ “علماني وسطي” كافر أيضا، تماما كما رأي البعض أن “الإسلامي الوسطي” شرير هو أيضا. إنها دائرة لا تنتهي من التطرف والتطرف المضاد تسير عكس اتجاه الطبيعة في المجتمعات السوية التي تجنح دائما -أو يفترض أن تجنح دائما- لأن ترسم منحنى التوزيع الطبيعي أو منحنى الجرس في كافة ظواهرها الاجتماعية بحيث يتركز أكبر عدد من أفراد المجتمع في الوسط تحت قبة الجرس ويقل عدد الأفراد كلما تطرفنا يمينا أو يسارا عند أطراف المنحنى.

لا أتوقع كليبرالي أن نتشابه جميعا في الميول والأفكار والمعتقدات، فالاختلاف حتمي، ولكن أتوقع كليبرالي أننا يجب علينا إدارة ذلك الاختلاف، فإذا ضاق صدرنا برأي الشيخ الذي لم يشتغل بالسياسة ولم يدع لما يعتقده بوسيلة غير مشروعة -قانونية كانت أو غير ذلك- فما عسانا أن نفعل بالذي يشتغل بالسياسة ويرى غير ما نرى.

أستاذي الذي لا أعرفه الحبيب علي الجفري .. أقبل اعتذاري كـ “علماني وسطي”.

أستاذي الذي لا أعرفه محمد خير ..  دع ذلك لـ “أعداء الحرية”.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: