Posted by: basem | 23/07/2013

مخرجان تخيليان للإخوان

الأول:

استغل مرسي حالة النشوة بفوزه في أوساط المجموعات الثورية ولم يتنظر حتى تنتهي الاحتفالات في الشارع، كانت فرصة تاريخية وأحسن أن لم يضيعها، دعا في خطابه الأول إلى مؤتمر للمصالحة الوطنية على أساس العدالة والمحاسبة وكان تحركا ذكيا للغاية فإصلاح دولة في حجم مصر بكل ما قد مرت به يحتاج إلى جبهة داخلية قوية، وكان محمد مرسي واعيا بذلك، لذلك فلم يكتف بتشكيل حكومة وحدة وطنية تمثل كافة أطياف الطيف السياسي الثوري فقط، ولكنه تحرك بحساسية ودقة بالغتين كي يوازن بين محاسبة القتلة والفاسدين وبين إعادة دمج الذين لم يتورطوا في عمليات فساد أو قتل، وإعطاء الأمان للقطاعات التي لم تشارك في الثورة.

شكل مرسي حكومة من الكفاءات، ولم نكد نصدق ما فعله عندما قرر أن يأتي برئيس حكومة من خارج تياره مكتفيا بأن حاز ذلك التيار مقعد الرئاسة، وكانت تلك الحكومة تعبيرا صادقا عن الطيف الوطني بالكامل من أقصى يمينه إلى أقصى يساره، كذلك لم نكد نصدق أن وزارة الإعلام قد ألغيت أخيرا وقد كنا نظن قبل ذلك أن الإخوان المسلمين سيسعون أول ما يسعون إلى قنص حقيبتي الإعلام والتعليم من أجل إنفاذ أفكار تنظيمهم في المجتمع، إلا أنهم فاجئونا بانفتاحهم المثير للإعجاب بعد اطمئنانهم للحصول على مقعد الرئيس ما جعلنا نتجاوز القلق النابع من أنهم قد رشحوا مرشحين رئاسيين بعد أن صرحوا بأنهم لن يسموا مرشحا لرئاسة الجمهورية.

لم تكن تحركاتهم التالية أقل إبهارا، فقبل مرور شهر واحد على توليه الرئاسة أصدر الرئيس محمد مرسي قرارا بحل الجمعية التأسيسية لكتابة الدستور وتشكيل جمعية تأسيسية جديدة أكثر تمثيلا للمجتمع لا تعتمد على الاستقطاب الديني أو المحاصصة السياسية بقدر ما تسعى لتمثيل كافة أطياف وشرائح المجتمع المصري، دارت أحاديث قانونية كثيرة حول مدى قانونية ما قام به الرئيس، إلا أن الجميع كان مرتاحا لتلك الخطوة وعلى استعداد لتجاوز الإشكالات القانونية من أجل تصحيح التحرك للأمام، ورغم النقاشات الحادة التي دارت في الجمعية إلا أن توسط الرئيس بين المتنازعين والآليات التشاركية التي اتبعتها الجمعية من أجل كتابة الدستور انتهت بنا إلى دستور يكاد يتفق عليه الجميع ويقبلون التعايش معه على أساس أنه لا أحد يعيش في هذه الدولة بمفرده وعلى الجميع أن يتنازل من أجل الوصول إلى اتفاق. كذلك كان انتباه الجميع مشدودا نحو المواد الانتقالية التي تهدف إلى التنظيم الجديد للدولة في ضوء شعارات وأهداف الثورة وهو ما جعل الخلاف حول المواد الجدلية هامشيا للغاية.

لم يصدق أحدا أن القنوات الفضائية التي كان يتوقع منها تشويه صورة محمد مرسي كانت تبارك ما يقوم به من خطوات، فللأمانة لم يكن أحدا يختلف مع ما يقوم به الرجل من إنجاز، وحتى إن اختلف البعض فلم يكن أحدا يجرؤ على الإعلان عن ذلك الاختلاف في ظل الشعبية المتزايدة التي كان يحظى بها الرئيس يوما بعد يوم. وحتى عندما انتقل إلى الجانب الأصعب وهو جانب التعامل مع المؤسسة العسكرية كان ذلك باتفاق ومباركة اجتماعية كاملة، وقد كان موفقا للغاية في اختياره قيادة جديدة للجيش تتفهم إلى حد كبير دور الجيوش في البناء الديمقراطي وتستطيع أن تبني شراكة مع المدنيين من أجل العبور بمصر من ذلك المنحنى.

في ظل ذلك التوافق الميشر بالاستقرار وفي ظل الأداء المنقطع النظير من حكومة الكفاءات، بدأ الاقتصاد المصري في التعافي بشكل سريع نسبيا، وخصصت جماعة الإخوان المسلمين مكاتبها وتنظيمها بالكامل من أجل ملء الفجوة بين أداء الدولة التي عليها أن تواجه تلك الأعباء وبين المجتمع الذي أثقلت كاهله الأعباء الاقتصادية والاجتماعية، وكانت الجماعة مثالا لما يمكن أن تقدمه تنظيمات المجتمع المدني من خدمات للدولة والمجتمع، في الحقيقة كان ذلك الأداء المبهر هو الصفة العامة لأداء المجتمع الأهلى التنموي منه والحقوقي، إكمالا منه دور الدولة وتنبيهها إلى مواطن الخلل، كان لقانون الجمعيات الأهلية الجديد الذي أصدره الرئيس دون أن ينتظر انتخاب البرلمان أثرا هائلا في سريان تلك الروح في المجتمع المدني المصري.

على أعتاب اكتمال العام الأول للرئيس محمد مرسي أول رئيس مدني منتخب لمصر يستعد المصريون لانتخابات البرلمان الذي التزم فيها الإخوان المسلمون بالترشح على ثلث المقاعد فقط كما أعلنوا قبل ذلك لإرسال المزيد من رسائل الطمأنة، ويستعد المصريون كذلك للحدث الأكبر الذي دعا إليه الرئيس وبدأ الجميع في الإعداد له وهو المؤتمر الوطني الكبير الذي سوف يتمحور حول تصميم وبناء مصر الحديثة وطرح المشروعات الاقتصادية الكبرى الكفيلة بإقالة مصر من عثرتها الاقتصادية والسير بها على طرق التقدم.

الثاني

لم يقف الجيش على الحياد كما يزعم الإخوان المسلمون، ولم يحم الشرعية الدستورية كما يزعمون، فأي شرعية تلك لرئيس خرجت ضده كل تلك الملايين، وأي حياد ذلك الذي يقف صامتا بينما تهاجم الميليشيات المسلحة للجماعة المعتصمون العزل في التحرير والاتحادية وسيدي جابر وميدان الساعة بدمنهور في وقت واحد وكأنها ساعة صفر لمعركة حربية. صمدنا كالعادة ولكن كانت تلك الأيام دموية أكثر من أي وقت مضى، فبرغم الغضب الشعبي ضد الإخوان المسلمين إلا أن اشتراك وحدات الشرطة والجيش في تأمين مقارهم وكانها منشآت حربية كان كفيلا بمنع المتظاهرين الغاضبين من الوصول إليها، وأما المتظاهرون المعتصمون فكان أبناء الجماعة المدججون بالسلاح الآلي كفيلين بهم.

كنا نتميز من الغيظ، فعقب كل هجوم إخواني مسلح على ميادين الاعتصام يقوم أفراد الجماعة بأنفسهم بالقبض على المصابين وتعذيبهم بأنفسهم ثم تسليمهم إلى الشرطة التي كانت تحيلهم فورا للنيابة، ولم نكن في حاجة لانتظار القرار، فالنيابة العامة المنحازة للإخوان كانت تقوم بحبس المعارضين بشكل تلقائي وإذا حدث وذهب إليها عضو من أعضاء الجماعة فالأمر لا يحتاج أكثر من اتصال تليفوني من أحد قادة الجماعة للنائب العام كي يخلى سبيل الأخ من سراي النيابة دون حتى ضمان مالي. ناهيك عن قدر الحقارة الصادم في تعليقات رموز شباب الجماعة ومحبيهم على الانترنت من خوض في أعراض المعتصمين واتهامهم بكل اتهام، ولكن كان أحقر ما فعلوه على الإطلاق كان سبابهم المنحط لشهداء الاشتباكات.

كان وزير الاستثمار قد أنفذ تهديده للقنوات الفضائية وقام بسحب رخصها بسبب ما قال أنه تغطية منحازة لأعمال العنف والبلطجة فأصبح التلفزيون الرسمي الذي يقوم بالرقابة على برامجه الوزير الإخواني بنفسه هو الجهة الوحيدة التي تقوم بتغطية الأحداث تغطية عرجاء تحجب أكثر مما تكشف وتتلاعب بالحقائق على طريقة تلفزيون مبارك في أيام الثورة، الأسوأ من ذلك أن حتى قناة الجزيرة التي كانت تعرض الوجه الآخر للأمر في أيام مبارك لم تعد تفعل ذلك وتفوقت في انحيازها وتضليلها على التلفزيون الحكومي ذاته. أما القنوات الدينية فشأنها كان شأن ما هو ديني في هذا البلد في ظل حكم الإخوان المسلمين تحولت هي والمساجد وإذاعة القرآن الكريم إلى أبواق خالصة لسب المعارضين وتكفيرهم فقط، دون استثناء ودون حديث في أي أمر من أمور الدين الأخرى غير فقه تحريم الخروج على الحاكم.

تسربت الأيام التسعة، ودخل رمضان وهدأت الاشتباكات الدموية واكتفى النائب العام الإخواني بحبس من قام بحبسهم وانتهى الأمر بالمحتجين باعتصام آخر لكنه يختلف قليلا عن ذي قبل، فالصيام وحر النهار يفعل بالمعتصمين ما لم يفعل مرسي وجماعته وفي الليل تهاجم الميادين بين الحين والآخر مجموعات الإخوان المسلحة بعد انتهائهم من صلاة التراويح، فتقتل من تقتل وتسلم للنائب العام من تسلم ثم تعود أدراجها. وكان الأكثر استفزازا في ذلك المشهد هو كلمات الرئيس التي يذيعها التلفزيون المصري عقب صلاة التراويح والتي يستغرق ثلاثة أرباعها في الهجوم على المعارضين ويستهلك الربع الباقي في الحديث عن دعوته للحوار الوطني وأوامره التي أصدرها لفلان وعلان بكذا وكذا.

يبدو أن مرسي والإخوان المسلمين قد نجحوا في تجاوز تلك الموجة، أفكر كثيرا في مصير الاقتصاد المصري في ظل كل تلك الفوضى حتى مع الدعم التركي والقطري السخي والدعم الأمريكي الموعود، وأفكر أيضا إلى متى ستصمد حماية الجيش والشرطة للإخوان المسلمين من بطش تلك الجماهير الغاضبة. لا أعلم ولكن يبدو لي أن الإخوان قد استطاعوا الخروج من تلك الأزمة أيضا وأن مزيدا من البطش بانتظارنا.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: