Posted by: basem | 20/05/2014

نابليون والثورة (2) : نابليون امبراطورا

21_6

مرة أخرى .. “التاريخ لا يعيد نفسه .. إنه يتناغم” – مارك توين

كسابقتها التي تحدثت فيها عن فرنسا بعد الثورة وصعود نابليون .. هذه التدوينة أيضا طويلة للغاية .. وهي أيضا ليست عملا أدبيا من محض الخيال ولكنها أحداث تاريخية وقعت كما هي وبهذا الشكل في فرنسا في أعقاب الثورة الفرنسية وتحديدا في أعقاب صعود نابليون إلى الحكم .. هي أيضا قد نقلت أجزاءها نصا دون إضافات أو مبالغات -فقط بعد حذف التفاصيل وربط أجزاء السياق العام ببعضها- من الجزء الأخير لموسوعة “قصة الحضارة” لول ديورانت والمسمى “عصر نابليون”:

بعد نجاح انقلاب الثامن عشر من بروميير، اجتمع القناصل المؤقتون في قصر لكسومبرج لإعادة بناء فرنسا من جديد. كان هؤلاء القناصل المؤقتون هم نابليون وسييزودوكو. وقد واجه المنتصرون في هذا الانقلاب أمة نهشت الفوضى في بنيتها الاقتصادية والسياسية والدينية والأخلاقية. وكان الفلاحون يخشون إذا ما عادت أسرة البوربون المالكة أن تلغى سندات الملكية التي بحوزتهم، وكان التجار والحرفيون يرون أن رفاهيتهم مهددة بسبب الموانئ المحاصرة، والطرق التي اعتراها الإهمال وأعمال اللصوصية، وتردد أصحاب الأموال في استثمار أموالهم بضمان الحكومة التي سبق أن اجتاحتها الإنقلابات عدة مرات، والآن وقد أصبحت الحاجة ملحة لقوة القانون وتنفيذ المشروعات العامة، وتقديم الغوث للفقراء، لم يكن تحت تصرف الخزانة ما يكفي.

اقترح نابليون أن يكون سييز هو المسؤول عن صياغة الدستور الجديد، وعكف هذا المنظر القديم على دراسته، وترك نابليون مع دوكواللطيف المسالم لإصدار المراسيم لضمان حسن سير الإدارة، وتحسين أداء الخزانة بتطوير قدرتها على الوفاء بديونها، وتهدئة النزاعات واكتساب ثقة الشعب. وكان أول ما قام به نابليون أنه ارتدى زياً مدنياً متواضعاً محتشماً وطرح لباسه العسكري. لقد كان عليه أن يكون هو الفتى الأول فوق خشبة مسرح الأحداث. كان طموحه في بواكير فترة حكمه هذه هو طمأنة فرنسا وتقويتها. لقد كان نابليون في هذا الوقت ابن الثورة الذي هو إفراز من إفرازاتها، وحاميها، والعامل على الاحتفاظ بما حققته من مكاسب اقتصادية، لكنه أيضاً كان واضحاً في إبداء رغبته في إنهاء الثورة.

وقد قصد الدستور الجديد لحماية الدولة من الجهل المنتشر من ناحية ومن الحكم الاستبدادي من ناحية أخرى. وقد تحقق نصف نجاح في هذا السبيل. وقام نابليون بمراجعة سييزفي بعض أفكاره التي أوردها في الدستور الجديد، لكنه بشكل عام قبل معظمها لأنه -أي نابليون- كان بدوره غير ميال للديمقراطية. ولم يغير رأيه الذي مؤداه أن الشعب الفرنسي غير مؤهل لاتخاذ قرارات حكيمة بشأن انتخاب ممثليه أو بشأن الأمور السياسية. وقالت صحيفة المونيتور وهي اللسان الناطق بالدفاع عن نابليون أنه لم يدمر الحرية، وإنما كان هذا أمراً قائماً بالفعل بسبب الحاجة إلى حكومة مركزية لأغراض الحرب، وبسبب تلاعب اليعاقبة بالانتخابات، ودكتاتورية الجماهير المشاغبة، وتوالي الانقلابات في الأعوام التي تولت فيها حكومة المديرين الحكم، إن الحرية التي وأدها نابليون كانت هي حرية الجماهير بعدم الالتزام بالقانون، وحريتهم في ارتكاب الجرائم والسرقة والقتل. لقد آن الأوان لفرض شيء من النظام لإعادة ضبط الأمور، فهذا أمر لازم لتقوم الحرية على أساس.

أما الفلاحون فلم يكونوا بحاجة لمثل هذه الحجج ليؤيدوا الدستور الجديد، فهم يمتلكون الأراضي وقد أيدوا سراً كل حكومة تقمع اليعاقبة. وهنا وجدنا البروليتاريا في المدن يتفقون مع الفلاحين رغم المصالح الاقتصادية المتعارضة. أما ساكنو الشقق وعمال المصانع والكتبة في المحلات والبائعون الجوالون الذين هم ليسوا نبلاء ولا إكليروس، وكانوا يكافحون طلباً للخبز والسلطة، فقد وجدناهم يفقدون إيمانهم بالثورة التي حلقت بهم في عنان السماء ثم هوت بهم من حالق، تاركة إياهم وقد تمزقت آمالهم، ولم يبق هناك سحر يثيرهم سوى بطل الحرب وهازم إيطاليا، فهو في رأيهم لن يكون أسوأ من السياسيين في حكومة الإدارة. أما البورجوازيون من رجال البنوك والتجار ورجال الأعمال فكيف يرفضون رجلا احترم الملكية الخاصة احتراما كاملا وأقر مبدأ الحرية الاقتصادية؟ إنهم بنابليون يربحون الثورة ويرثون فرنسا.

وعندما أصبح نابليون واثقاً من تأييد الغالبية العظمى له طرح الدستور الجديد للاستفتاء العام في ديسمبر 1799 ووافقت الغالبية العظمى على الدستور.ولما أدرك نابليون كثرة المؤيدين له انتقل مع أسرته ومعاونيه من لكسومبرج المزدحمة إلى قصر التوليري الرحب وكان ذلك، وكان انتقاله مصحوباً بموكب فخم يضم ثلاثة آلاف تشكيل من الجنود، وجنرالات يركبون خيولاً، والوزراء في العربات وأعضاء مجلس الدولة في مركبات كبيرة، أما القنصل الأول نابليون فكان في مركبة فخمة تجرها ستة خيول بيض. لقد كان هذا الموكب أول نموذج للعروض التي كان نابليون يأمل عن طريقها في التأثير في جماهير باريس. اختار نابليون غرفة واسعة لا يزينها سوى الكتب ليعمل به،وعندما أطلعه مساعدوه على السرير الملكي وغرفة النوم الملكية رفض استخدامها مفضلاً النوم بشكل معتاد مع جوزفين، إلا أنه على أية حال قال لزوجته بطريقة لا تخلو من فخر تعالي يا صغيرتي ونامي في سرير سادتك.

لقد كان نابليون يحلم بينه وبين نفسه بالحكم المطلق الخالص بل وأن يكون مؤسس أسرة حاكمة تكتسب شرعيتها بمرور الزمن. لقد شعر أن الأعمال التي يتطلع لإنجازها تتطلب استقرارا واستمرارية كالتي يتسم بهما الحكم المطلق. لم يكن قيصر ولا أغسطس ولا شرلمان يؤمنان بالديمقراطية ولم يكونا ليخضعا أحكامهما المصقولة الحكيمة وسياساتهما بعيدة النظر وخططهما المستقبلية لنقد ممثلي الجماهير الساذجة. ولقد شهد نابليون الديمقراطية الباريسية في سنة 1792 وشعر أنه لا يستطيع أن يقرر باسم الجماهير الملتهبة عواطفها. لقد آن الأوان لطي صفحة الثورة وتعزيز مكاسبها الأساسية وإنهاء الفوضى والقلق والحرب بين الطبقات. وبدأ أشخاص معينون مرتبطون على نحو ما بالأمور السياسية يؤكدون أن فرنسا تشعر بضرورة حق السلطة في الحكم المطلق. ورأى السياسيون من الحاشية والمؤيدون للثورة أن استتباب الهدوء في البلاد يعتمد على حياة فرد واحد، لقد مالت آراء الجميع شيئاً فشياً إلى الملكية، واتفق نابليون معهم علىأن الفرنسيين يحبون الملكية وكل زخارفها، وبدا من الطبيعي أن يصبح نابليون إمبراطوراً.

وتحرك أعضاء مجلس الدولة ومجلس الشيوخ ومجلس الدفاع عن حقوق الشعب وغيرهم في الحكومة بكياسة لتحقيق رغبات نابليون لأسباب بسيطة؛ فموافقتهم لن تؤدي إلا إلى التقليل من حريتهم في المناقشة، تلك الحرية التي كانت قد قيدت بالفعل بالإضافة الى أن معارضتهم قد تنهي أدوارهم السياسية، كما أن الموافقة في وقت باكر قد تحقق لهم مكافآت سخية. وفي 2 مايو 1804 أقرت الهيئات التشريعية ثلاثة اقتراحات. 1- سيتم تعيين نابليون بونابرت إمبراطوراً للجمهورية الفرنسية، 2- لقب إمبراطور والسلطات الإمبراطورية ستكون وراثية في أسرته، 3- الحرص على حماية مبادئ المساواة والحرية وحقوق الشعب ككل، وفي 18 مايو أعلن مجلس الشيوخ نابليون إمبراطوراً، وفي 22 مايو أقرت نتيجة الاستفتاء بأغلبية ساحقة لصالح نابليون.

وراح نابليون يسير على درب الأباطرة حتى من قبل الاستفتاء، إذ كان قد بدأ منذ مايو سنة 1804 يوقع خطاباته ووثائقه باسمه الأول فقط، وسرعان ما أصبح يكتب الحرف الأول من اسمه ببساطة هكذا، ومنذ ظهر هذا الحرف الفخور على النصب التذكارية والمباني والعربات، لم يعد نابليون يتحدث عن الفرنسيين كمواطنين وإنما راح يتحدث عنهم ولهم بقوله رعاياي. وراح يتوقع من أفراد حاشيته مزيداً من الإذعان والاحترام، ومن وزرائه مزيداً من التبعية وسلاسة القياد.

بقي شيء واحد ينقص هذه الجلالة: إنها لم تحظ بالاعتراف ولا الإقرار الديني من أعلى ممثل لعقيدة الأمة الدينية على النحو الذي حظيت به التيجان الأخرى. لقد كان هناك شيء لازال باقيا من نظرية الحق الإلهي الوسيطة للملوك، فبالنسبة لشعب تسود فيه العقيدة الكاثوليكية، فإن قيام البابا بتكريس الحاكم ومسحه بالزيت يعني أن هذا الحاكم قد أصبح بالفعل مختارا من الرب. أي فكرة تساعد على تسهيل مهمة الحاكم أكثر من هذه؟ ثم أليس هذا المسح بالزيت سيضع نابليون في مصاف الحكام الأوروبيين حتى ولو كان لهم جذور عميقة في السلطة تمتد من الماضي حقبا؟ لهذا فقد أوكل إلى دبلوماسييه مهمة حث البابا بيوس السابع للقيام بخطوة غير مسبوقة لباريس بتتويج ابن الثورة والتنوير باعتبار هذا نصرا للكنيسة الكاثوليكية على الثورة والتنوير. ثم أَلَن يكون مفيداً لقداسة البابا أن يستحوذ على أفضل القادة الحربيين في أوروبا وأكثرهم ألمعية ليكون مدافعاً عن المؤمنين؟ وعارض بعض الكاردينالات هذا العرض باعتباره تدنيساً للمقدسات، لكن بعض الايطاليين الماكرين اعتقدوا أن هذا سيكون نصراً كاملاً ليس للدين فحسب وإنما لإيطاليا أيضاً حيث أنها ستضع أسرة حاكمة إيطالية على عرش فرنسا لتحكم البرابرة.

وراح نابليون يستعد لهذا النصر المشترك كما لو كان يستعد لحرب كبرى، فكلف من يقومون بدراسة مراسم الحكم القديم وتعديلها وإضفاء مزيد من التفاصيل والمبالغات عليها. وتم التخطيط للمواكب والمسيرات كما لو أن المخطط لها مدير فرقة راقصة وتم تصميم أزياء جديدة لسيدات الحاشية وتجمع أفضل المصميمن للقبعــات النسائية حــول جوزفين وأمــر نابليون بإحضــار المجوهــرات مـن الخزانة لهـا بالإضافة لما لديها من مجوهرات، وقام جاك لويس ديفيد الذي كان عليه أن يخلِّد الحدث في أعظم لوحات ذلك الوقت بتدريب جوزفين وحاشيتها على كل حركة وكل وضع، وتم الإغداق على الشعراء للاحتفاء بالحدث، وصدرت التعليمات لدار الأوبرا بإعداد رقصات الباليه، وجرت الترتيبات لحماية الشوارع الكبرى بالجنود، ودعى الأمراء وذوو المقام الرفيع من الدول الأخرى فلبوا الدعوة، ووصلت الجموع من المدينة والأحياء والمحافظات ومـن الخـارج وسـاوموا للحصـول علــى أفضـل الأماكـن فـي الكاتـدرائية أو في الطرقات، وراح أصحـاب المحال يأملون فـي الحصول على ربح وفير، وقد كان رضي الناس عن تلك الأعمال والمشاهد رضاء مفعماً بالسعادة ربما بطريقة لم تحدث منذ مهرجانات روما أيام الإمبراطورية.

وفي بواكير يوم بارد (الثاني من ديسمبر) غادر اثنا عشر موكبا من نقاط مختلفة لتتجمع في نوتردام، مفوَضون من مدن فرنسا ومن الجيش والبحرية والجمعيات التشريعية والهيئات القضائية والإدارات وجوقة الشرف والمعهد العلمي وغرف التجارة. وصعد البابا إلى المذبح وركع نابليون وجوزفين على ركبهم أمامه، فقام البابا بدهنهما بالزيت وباركهما. وانتهت المراسم في الساعة الثالثة، وعادت المواكب من حيث أتت وسط مظاهر الحفاوة والفرحة بينما الثلوج تتساقط. وواصل نابليون مشروعاته الإمبراطورية واثقا من أنه الآن أصبح حاكما مقدسا كأي حاكم أوروبي آخر وأصبح يمكنه أن يواجه وهو مطمئن القوى التى ستتحد حالاً لتدميره.

أخيرا

لأن التاريخ لا يعيد نفسه بالتمام ولكنه يتناغم كما قد أشرنا، فلم تكن الملكيات الأوروبية المعادية للثورة الفرنسية حليفا لنابليون وداعما سخيا له، بل على العكس شكلت تلك الملكيات ألد وأخطر أعدائه، وسواء كان ذلك الأمر هو سبب دخول نابليون حروبه الشهيرة التي اجتاحت أوروبا وجلبت لها الخراب والدمار أم كان السبب في ذلك هو أحلام العظمة والتوسع لدى نابليون وسلطته المطلقة على فرنسا وتغييبه للديمقراطية فيها، فإن المحصلة النهائية كانت أن انتهت تلك الحروب بهزيمته ونفيه إلى جزيرة إلبا ثم إلى جزيرة سانت هيلانه.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: